الوطنية الحقة !
الوطنية الحقة !
قال تعالى : {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}.
الأرض في هذه الآية هي الجنة ! في تفسير عامة السلف سُميت ( الأرض ) هنا، وفي ذلك إشارة إلى أنها الأرض الحق وكل ما سواها عارض.
فالأرض هي المكان الذي يعيش فيه الإنسان ويستقر ويألف أهله ، والجنة دار قرار لا زوال عنه وبين أهله الألفة التامة.
اليوم الناس يجعلون ولاءهم على أرض زائلة، وحدود رسمها مستعمر يسمونها وطناً ويسمون فعلهم هذا الوطنية !
وإنما تُعتبر "الوطنية" إذا اعتبر الإنسان نفسه المركز باعتباره كائناً يأكل ويشرب ويتكاثر هذه أهم صفاته وأما علاقته بالوحي والغائية فشيء ثانوي.
أما إذا جعلتَ المركز لطاعة الله وآمنتَ بالوطن الحق والأرض الحق ( الجنة )؛ فإن ولاءك يكون معياره صلاح الإنسان؛ لأن صلاحه هو الذي يقرِّبه للجنة؛ لهذا قال {عبادي الصالحون}.
ولهذا تجد في نفس السورة حين ذكر الأنبياء قال تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون }.
{ أمة واحدة } جمعها التوحيد والعمل الصالح لا الاعتبارات الأخرى وقد عدَّ بعض من صنف في دلائل النبوة هذا الأمر من أعظم دلائل النبوة؛ لأن العرب قبل الإسلام كانوا من أكثر الأمم فخراً بالآباء وتيهاً على الناس فحين تأتيهم رسالة تقول لهم: التقي الأعجمي خير من الفاجر القرشي؛فإن ذلك أشد ما يكون عليهم وأبعد ما يكون عن طباعهم وما تهوى أنفسهم.
قال أحمد في الفضائل [1251]:
"قثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال:
استأذن ابن جرموز الذي قتل الزبير - أو أشرك في قتله - على علي، فرأى في الإذن جفوة، فلما دخل على علي قال: أما فلان , فلان فيؤذن لهما، وأما أنا فلا، قاتل الزبير، قال له علي:
بفيك التراب، بفيك التراب، إني لأرجو إن أكون أنا والزبير وطلحة من الذين قال الله عز وجل: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}".
قد رُوي هذا الخبر من طرق كثيرة عن علي، جمعتها في «الصحيح المسند من آثار العشرة المبشرين بالجنة» ، وهذا الأثر يدلك على حال الصحابة فإنهم يدمحون الخلاف الدنيوي لأجل الوفاق العقائدي طمعاً في الوطن الحق والأرض الحق ( الجنة )، وحال الناس اليوم معكوس إلا ما رحم ربي.