نقد شيخ الإسلام للأصل الذي بُنِيت عليه ما بعد الحداثة..
نقد شيخ الإسلام للأصل الذي بُنِيت عليه ما بعد الحداثة..
قال ابن تيمية «ومما يشبه هذا ظن طائفة كابن هود وابن سبعين والنفري والتلمساني: أن الشيء المتأخر ينبغي أن يكون أفضل من المتقدم؛ لاعتقادهم أن العالم متنقل من الابتداء إلى الانتهاء كالصبي الذي يكبر بعد صغره والنبات الذي ينمو بعد ضعفه ويبنون على ذلك أن المسيح أفضل من موسى ويبعدون ذلك إلى أن يجعلوا بعد محمد واحدا من البشر أكمل منه كما تقوله الإسماعيلية والقرامطة والباطنية فليس على هذا دليل أصلا. أن كل من تأخر زمانه من نوع يكون أفضل ذلك النوع فلا هو مطرد ولا منعكس».
[مجموع الفتاوى: ٣٦٨/١١]
كثيرًا ما نسمع الناس يقولون (نحن في عام ٢٠٢١ ومن الناس من يقول كذا وكذا) أو يقول بعضهم (هل نرتهن لعقول السلف هم لهم زمان ونحن لنا زماننا).
وهذه الكلمات مبنية على أصل فلسفي وهو أن الكائنات وُجِدت بهذا التعقيد عن طريق التطور البيولوجي، وأن الذهن البشري هو ضمن هذه العملية، فهو أيضا يتطور، فيصير المتأخر أعلم من المتقدم، غير أن النتيجة الخطيرة لهذا أن الأمر قد يكون صوابًا اليوم ويصير خطأ غدًا لأن الذهن البشري تطور.
ومن هاهنا جاءت فكرة (نسبية الحقيقة) وأنه لا أحد يمتلك الحقيقة أو يحتكر الحقيقة ولا توجد حقيقة لأن الحق اليوم قد يكون باطلًا غدًا.
والذي يؤمن به كل عقلاء بني آدم أن هناك حقائق ثابتة لا يزيدها الزمان إلا ثباتًا وصحة، والحق هو الحق بشكل موضوعي ولكن قد يخفى على بعض الأفراد لاعتبارات معينة.
وفكرة نسبية الحقيقة سوفسطائية لأنها متناقضة ذاتيًّا، فهي مبنية على فكرة التطور والتطور هو أيضًا قد يكون فكرة خاطئة مستقبلًا، فهم ما استطاعوا بناء النسبية إلا بعد التسليم بحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، وهذا هو التناقض.
ومع الأسف اليوم كثيرون يبحثون في الخلافيات بين المنتسبين للملة بهذه العقلية الحداثية، فتجدهم يطلقون عبارات مثل (احتكار الحقيقة) على سبيل الذم، والواقع أنني لو لم أعتقد أن كلامي حق ما قلت به، غير أن البشر يتفاوتون في الحقائق، فهناك ما يجزمون به قطعًا وهناك ما يبنونه على غالب الظن.
وهذا لا ينفي وجود حقيقة حتى في مسائل الاجتهاد (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، قد لاحظت أن كثيرًا من دعاة المذهبية اليوم يعتمدون تأصيل نسبية الحقيقة ولكن يحصرونه في المسائل الفقهية في الترويج للمذهبية وأن المذاهب كلها على مسافة واحدة من الحق! وهذا خلاف الكتاب والسنة وخلاف ضرورة العقل وترويج لأمر تراثي بفلسفة حداثية فاسدة لو أخذناه بها نسفنا التراث كله.
ومنهم من يقول (تجديد الخطاب الديني) ولا يريد العودة بالوحي إلى أصله النقي بعيدًا عن المحدثات، وإنما يريد المعنى الحداثي وهو التبديل والتغيير بل المسخ.