كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

خاطرة حول أقدم كتاب حديثي وكاتبه (صحيفة همام بن منبه)

المصدر
خاطرة حول أقدم كتاب حديثي وكاتبه (صحيفة همام بن منبه) معلوم أن السنة النبوية قد بدأ تدوينها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن هناك كتاب يجمع أحاديث كثيرة في مكان واحد ثم تدفع للناس ليقرأها الناس على جامعها على نمط المصنفات الحديثية المعروفة وكانت أول محاولة لتدوين عدد كبير من الأحاديث في مكان واحد ثم نشرها على هيئة عام وليس تدوينًا شخصيًا للمراجعة فحسب هي صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة حيث ذهب هذا الرجل الصنعاني إلى أبي هريرة وسمع منه نحو مائة وأربعين حديثاً ودونها وجعلها في صحيفة واحدة اشتهرت بالصحيفة الصحيحة وهي موجودة في مسند أحمد وعموم مصادر الإسلام وهي من براهين التدوين المبكر للسنة تفكرت بالأمس بأمرها وأمر همام بن منبه وخطرت لي عدة خواطر الأولى : همام بن منبه هو أخو وهب بن منبه وقد اشتهر أنهم من اليهود وهذا وهم دارج خصوصاً وأنهما يمانيان والحق أنهما من أبناء فارس كما قال أحمد وتجد دائماً في تراجمهم هذه النسبة ( الأبناوي ) يعني من أبناء الفرس الذين ولدوا في اليمن فقد كانت اليمن تحت سلطان الفرس عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونسبتهم إلى اليهود بني عليها قصور وعوالي وهذا يبين لك ضرورة الرجوع إلى المصادر القديمة فإن المعاصرين دراساتهم التاريخية فيها ما فيها إلا ما رحم ربي ولاحظ أن وهب بن منبه هو المرجع في تاريخ ملوك حمير وهذا يدل على انصهارهم الشديد في المجتمع اليماني حتى صار وهب مؤرخاً لأجداد اليمانيين وإذا كان هذا حال من ساكن العرب قبل الإسلام فما بالك بحال من ساكنهم بعد الإسلام وعاش معهم في أمة موحدة أكثر من ألف سنة ، أقول هذا لبيان جهل المتعصبين الذين زرع الاستعمار في عقولهم بغض العرب من المنتسبين للإسلام من الفرس والأكراد والبربر ( الأمازيغ ) وفي هذه الأعراق صالحون كثر وإنما الخطاب للمتعصبين واطلاع وهب على كتب أهل الكتاب هو من جنس اطلاعه على تاريخ ملوك حمير هو من باب التوسع المعرفي وسبحان الله همام اشتغل بالحديث فروي عنه أكثر من مائة حديث في الكتب وأما وهب فتشاغل عن الحديث بأخبار الحميريين وأهل الكتاب مع سماعه للحديث فقلت روايته حتى أنه لا يوجد له في صحيح البخاري إلا حديثاً واحداً متابعة وحديثا واحدا في صحيح مسلم والعجيب أن الحديثين عن أخيه همام واليوم ما أكثر من يختار التوسع في المعارف على إحكام الأصول الصحيحة فيقل نفعه للناس والجمع بين الأمرين ممكن ولكنه يحتاج جهداً كبيراً فعند المخايرة اختر أعلى الأمور وأسلمها لك في آخرتك الثانية : قال الإمام أحمد في صحيفة همام بن منبه : هى نحو من أربعين و مئة حديث بإسناد واحد ، و لكنها مقطعة فى الكتب . قوله ( هي مقطعة في الكتب ) هذه عبارة محورية في الرد على منكري السنة فكثير منهم يظن أن هناك أحاديث ليس لها إلا مصدر واحد بحيث لو ضاع هذا المصدر لذهبت السنة وهذا غير صحيح فعامة أحاديث الصحيحين ومشاهير السنن لها مصادر كثيرة جداً فلو فرضنا أن موطأ الإمام مالك ضاعت كل نسخه الموجودة اليوم لما ضر ذلك رواية السنة في شيء لأن أحاديث الموطأ مفرقة في عموم المصادر الإسلامية من الصحاح والسنن والمسانيد من رواية مالك نفسه ومن رواية أقران مالك لنفس الأحاديث وهذا ما يميز مصادر السنة على كتب اليهود والنصارى المقدسة وعلى كتب الرافضة فإنك تجد النص المحوري عندهم لا يوجد إلا في كتاب واحد مع ما دخل كتبهم من بلاء وعامة أحاديث الصحيفة توبع عليها همام من بقية تلاميذ أبي هريرة ورواياتهم مبثوثة في عشرات المصادر الإسلامية الثالثة : قال أبو الحسن الميموني : سمعت أحمد بن حنبل يقول فى صحيفة همام : إن معمرا أدركه ، قد كبر و وقع حاجباه على عينيه ، و أدرك أيام السودان ، فقرأ عليه همام حتى إذا مل أخذ معمر فقرأ عليه الباقي أقول : سبحان الله همام بن منبه في ذلك الحين كان شبه معمر ثم إذا تعب تلميذه من القراءة يتبرع هو ويقرأ على التلميذ ! وهذا من أعجب ما رأيت من رفق الأساتذة بالطلبة ولعل هذه الممارسة ما جاءت إلا من نية صحيحة أن تنشر سنة رسول الله ﷺ بين الناس فما خيب الله ظنه وبقيت صحيفته تذكر إلى يومنا هذا. الرابعة : همام بن منبه صنعاني ومعمر الراوي عنه صنعاني ( وأصله بصري ولكن سكن صنعاء وقديماً لم تكن هناك حدود سايكس وبيكو ولا عقيدة وطنية متمثلة بجنسية فيمكن الإنسان التنقل بسهولة وتتغير نسبته أو يزاد عليها فيقال البصري ثم الصنعاني ) لو سألت عامة أهل اليمن اليوم عن هذا الرجل هل سيعرفونه ؟ هل يدرَّس في المدارس أن صاحب أقدم صحيفة حديثية في تاريخ الأمة من صنعاء ؟ العجيب أنك تجد فارسياً منتسباً للملة يفخر بالأكاسرة ويمانياً منتسباً للملة يفخر بالتبابعة ثم يجهلون رجلاً منهم هذا فضله ، لست مع التوسع في الافتخار بالآباء أو السابقين ولكن عجيبة هذه الثنائية مع الانتساب للإسلام = = الخامسة : وهي عجيبة من العجائب أول حديث من أحاديث الصحيفة هو حديث «نحن الآخرون السابقون» يعني الآخرون زمنا في الأمم السابقون في الآخرة فضلاً من الأحاديث التي اتفق المنتسبون للملة على تصديق أبي هريرة فيها فقد وجدت الكثير من الروافض يذكرون هذا الحديث في مصنفاتهم مع أنه لا وجود له في كتبهم وإنما هو حديث أبي هريرة في صحيفة همام وخرجه العلماء من بعد مثل أحمد والبخاري ومسلم خصوصاً المنتمين للمدرسة العرفانية من الروافض هذا الحديث دارج بينهم _ولعلهم أخذوه من كتب ابن عربي_ فعلى سبيل المثال ذكر هذا الحديث التبريزي الأنصاري في "اللمعة البيضاء" والملا هادي السيزواري في "شرح أسماء الله الحسنى". ومن غير العرفانيين ذكره الطبرسي في تفسيره مجمع البيان وابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب وفي ذكر هذا الحديث في فضل الأمة في رأس الصحيفة لطيفة وهي أن همام بن منبه عاش في بيئة متعددة الثقافات كما يقال في اللغة العصرية فجعل هذا الحديث في رأس الصحيفة تذكراً لنعمة الله عليه إذ سلمه من شرك عباد الأوثان والمجوس وأهل الكتاب مع قربه منه قال أحمد بن محمد بن الأزهر : سمعت مسلمة بن همام بن مسلمة بن همام بن منبه يذكر عن آبائه أن هماما ، و وهبا ، و عبد الله ، و معقلا ، و مسلمة : بنو منبه أصلهم من خراسان من هراة ، و منبه من أهل هراة ، خرج فرفع إلى فارس أيام كسرى ، و كسرى أخرجه من هراة ، ثم إنه أسلم على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فحسن إسلامه فمسكن ولده و توالدهم باليمن ، و كان وهب بن منبه يختلف إلى هراة و يتفقد أمر هراة فتأمل كيف أن نفي والدهم إلى اليمن كان في مآله خيراً إذ كان سبب إسلام منبه وأولاده والنقطة الأخيرة : لعل سائلاً أن يسأل لماذا معمر أصر على قراءة الصحيفة على همام ألم يكن يكفيه أن يأخذها منه مكتوبة ؟ فيقال : هذا من دقة المحدثين التي يجهلها كثيرون إذ أنهم لا يكتفون بالصحيفة في الغالب حتى يقرأوها على الشيخ ليتأكدوا من أنهم سمعوا ألفاظها بشكل صحيح كما سمعها من شيخه وهذا ما تفعله الأمة كلها مع المصاحف إذ أنك لا تكتفي بالحفظ من المصحف بل تقرأ على شيخ يصحح لك النطق هكذا كان يفعل المحدثون مع الصحف الحديثية وهذه كانت أعلى الأحوال عندهم ويقاربها أو يماثلها سماع المحدث المتقن الحديث من شيخه فيحفظه في صدره وكأنه كتبه ويكون ضبط السماع من الشيخ وتليها مرتبة الكتاب الواضح عن الشيخ وقديماً التنقيط والتشكيل كان شحيحاً لذا يصعب هذا غير أنه يمكن القراءة للمتقن ولكنهم في السنة يحتاطون أشد الحيطة وتليها مرتبة السماع من الشيخ من محدث ضعيف أو يخطيء إذا حدث من حفظه دون كتابة ما سمع ومقابلته وكثير من المحدثين كانوا يسمعون الأحاديث ثم يكتبونها ثم يأتون بها إلى الشيخ ويقولون له صححها أو انظر فيها وأحياناً يزيدون فيها أحاديث ما سمعوها منه لاختباره إذا فهمت هذا تفهم تهافت الشبهات المتعلقة بتدوين السنة وأن منشأها الجهل والقياس على كتب أهل الكتاب وسأعنى إن شاء الله في هذه القناة بالقراءات المنهجية في سير وجهود العلماء السابقين المنسية والتي هي أساس ما نحن فيه من الخير إذ أن إهمالها أدى إلى تضخيم أحوال أهل الكلام وأهل الرأي.