كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليست قشورًا بل تذكير بالله واليوم الآخر

المصدر
ليست قشورًا بل تذكير بالله واليوم الآخر كثير من السنن العملية التي يحرص عليها الشباب المحب للسنة إلى درجة قد تزعج البعض، درج قوم من المتفذلكين على تسميتها بـ(القشور) يقارنونها بالأصول الكبرى والتي يعنون بها العقائد المتفق عليها بين المسلمين أو القضايا ذات المتعلقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويفترضون تزاحمًا بين الاهتمام بهذه الأمور والاهتمام بالقضايا الكبرى، ويجعلون العناية بهذه السنن علامة السذاجة والسطحية والدروشة. وبعضهم لا يكتفي بترك هذه الأمور حتى تجده يتحرى تركها وتوقِّيها وكأنها من المكروهات أو المحرمات خوفًا من النبز بالتشدد أو كراهيةً لحاله القديم عندما كان ساذجًا فيما يرى. وقد تدبرت في أمر الكثير من هذه الأمور التي كنا قديمًا نحرص عليها جدًّا فوجدت أن الأمر ليس قشورًا بل تذكير بمعانٍ عظيمة. فعلى سبيل المثال: سنة الإيتار: قال ابن قدامة في المغني: "(1401) فصل: والمستحب أن يفطر على التمر؛ لأن النبي ﷺ كان يفطر عليه، ويأكلهن وترا، لقول أنس: يأكلهن وترا؛ ولأن الله تعالى وتر يحب الوتر، ولأن الصائم يستحب له الفطر كذلك". وقد أدركت بعض طلبة العلم إن قدم له التمر حرص على الوتر في ذلك، وهناك صلاةُ الوتر والتثليثُ في الوضوء والشربُ بثلاثة أنفاس وغيرها. وواضح مأخذ ارتباط هذا بالعقيدة، فالله سبحانه واحد وتر غني تقدس اسمه وكل مخلوق مفتقر لغيره مكتمل به والخلق أزواج. وأما سنة التيامن: فقال البخاري في صحيحه: "حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»". فهذا تذكير بحال المؤمن مع كتابه يوم القيامة، قال تعالى: {فأما من أوتي كتابَه بيمينِه فيقول هاؤُمُ اقرءوا كتابِيَه} [الحاقة] وأما تركُ الإسبالِ والتواضعُ في اللباس: فقال أحمد في مسنده: "حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زهير يعني ابن محمد، عن صالح يعني ابن كيسان، أن عبد الله بن أبي أمامة أخبره، أن أبا أمامة أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: «البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان»". ومن البذاذة تقصير الإزار، إذ أن الإسبال مظنة مخيلة، ولهذا يرتبط ذكر الإسبال بالحديث عن وقوع الخيلاء من عدمه. والكفن مهما حسن فليس بذاك أمام ثياب الأحياء، والناس يُحشرون عراة ثم يُكسون على قدر إيمانهم، فمن تواضع لله في الدنيا في ملبسه أحسنَ الله كسوته يوم القيامة. كما أن أهل الجنة يدخلونها جردًا مردًا (أي بلا لحى) وكأنهم لمَّا كانوا يطلقونها في الدنيا تدينًا جُوزوا بأن نعمت وجوههم في الآخرة. قال ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي: "69 - حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي، وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وهذا إسناد صحيح إلى محمد بن المنكدر التابعي الجليل (ابن خال أم المؤمنين عائشة). قال الطبري في تفسيره: "وقال آخرون: يلذذون بالسماع والغناء. * ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن موسى الحرسي، قال: ثني عامر بن يساف، قال: سألت يحيى بن أبي كثير، عن قول الله: (فهم في روضة يحبرون) قال: الحبرة: اللذة والسماع". فما تُرِك شيء من لذة الدنيا على جهة التشوق لنظيره في الآخرة ووَجَد التارك لذلك حسرةً وألمًا شديدًا، وإنما يجد شيئًا يسيرًا يعينه الله عليه ثم يقبل على شأنه. وكم من إنسان كان حريصًا على سنن كثيرة ويأخذه الحماس لذلك ثم بعدها اتجه للأمور الفكرية أو ضعف، وصار عامة علمه -إن سميناه علمًا- في لسانه، وصار ينظر لحاله قديمًا على أنه دروشة، وصار يترك تلك الأمور التي كان حريصًا عليها وكأنها مكروهات وكأنه ضمن ثقل ميزانه فزهد بتلك الحسنات! ولو كان الأمر تعقُّلًا بعد حماس لرأيناه ملازمًا لهذه الأمور ولكن بسكينة ورويَّة فحسب، ويفرِّق بين ما يُلزم به الناس وما لا يُلزم مع حرصه على إرشادهم للأطيب والأخيَر.