مراجعة أصلين كبيرين في مسألة العذر بالجهل
مراجعة أصلين كبيرين في مسألة العذر بالجهل
لا يطمع العاقل بحسم مسألة فيها مدد عاطفي شديد مثل مسألة العذر بالجهل ، هذه العاطفة قد تكون متعلقة بالمسألة نفسها أو بأعيان المتكلمين فيها من الفريقين غير أن هذه الدنيا لا يعدم فيها الإنصاف لهذا الكتابة هنا لمن نظن فيه إنصافاً ، والعاطفة هنا ليست مختصة بفريق دون فريق
هناك أبحاث لا تحسم المسألة بل تكون نتيجتها خاطئة وغير محررة ولكنها تكون مفيدة أيضاً في التقدم بالبحث وتسليط الضوء على نقاط كانت مظلمة في البحث مما يساعد الناظر المنصف الموفق على الوصول إلى الحق في المسألة
مما يلاحظ في بعض الكتابات التي انتصرت للقول بالعذر بالجهل أنها بنيت على أصلين كبيرين وأرى أنه بغض النظر عن النتيجة النهائية ، هذين الأصلين بحاجة إلى مراجعة وتدقيق ففيهما إشكال كبير
الأصل الأول : لا يوجد مسألة شرعية هي ظاهرة مطلقاً ولا مسألة هي خفية مطلقاً بل ذلك أمر يتفاوت فيه الناس
ويعتبر تقرير هذا الأصل ناقضاً على القائلين بعدم العذر لأنهم يقولون بأن هناك مسائل ظاهرة دائماً لا عذر فيها ومسائل خفية دائما ( يجوز فيها قيام الحجة )
وحقيقة ذكر هذا الأصل في هذا الباب مشكل لأنه لا يعضد مقالة العذر بشكل مطلق التفاوت بين الناس في اعتبار المسائل ظهوراً وخفاء يقتضي تفاوت الناس في الحكم لا أنهم كلهم معذورين أو كلهم ليسوا معذورين
بل الأمر راجع لقرائن تحتف بكل معين وهذه القرائن قد يستدل بها من يعذر ومن لا يعذر بحسب ما يحتف بالحالة
فمثلاً يأتي من يعذر ويقول : هذا الإنسان حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو المسألة فيها آثار اشتبهت فهو معذور
ويأتي من لا يعذر فيقول في شخص ما : هذا عالم ويعرف بالحديث وخالف السنة في مسائل كثيرة جداً واضحة بل وصرح بضعف أدلة أصحابه في الموطن الفلاني والموطن الفلاني إذن هو غير معذور
فجعل التفاوت من أدلة العذر مطلقاً خطأ بل الأمر يرجع إلى قرائن وهذه القرائن لو تدبرتها ستجد منها ما سيعود إلى ظهور المسألة وخفائها من الناحية الشرعية ولكن ضمن قرائن أخرى
وقبل النظر في القرائن أنبه على أن نفي وجود مسائل ظاهرة مطلقاً قول ما قال به عالم بل نحن عندنا مصطلحات شرعية مثل ( محكم ) ( متشابه ) ( معلوم من الدين بالاضطرار ) بل تقسيم المخالفات في الشرع إلى كفر وبدعة وخطأ اجتهادي كل ذلك
مبني على الظهور والخفاء وكذلك تقسيم المبتدعة إلى غلاة وغير غلاة كما يقال قدرية غلاة وقدرية غير غلاة ومرجئة غلاة ومرجئة غير غلاة وشيعة غلاة وشيعة غير غلاة كل ذلك مبني على وجود الظهور والخفاء وتردده في بعض المسائل لا يعني تردده فيها كلها ، وكذلك تقسيم المبتدعة إلى كفار ببدعتهم وغير كفار ببدعتهم مبني على هذا الأصل
فإن قال صاحب التأصيل : أنا لا أنكر وجود مسائل ظاهرة مطلقاً فيقال إذن استدلالك على مخالفك بهذا الأصل باطل بل سيكون حقيقة بحثك معه هل هذه المسائل من المسائل الظاهرة مطلقاً أم الخفية مطلقاً أم المترددة إلى النظر في القرائن
والخلاصة أن وجود مسائل تتردد بين الظهور والخفاء بحسب الأحوال لا يعني الاستغناء عن القرائن بل يدل ذلك على اللجوء إلى القرائن والقرائن لا تدل دائماً على الحكم بل قد تأخذك إلى الحكم الأشد كما قال أحمد في مسألة تفضيل علي على عثمان : هذا الآن شديد . يعني صار شديداً في زمانهم لانتشار الآثار
والقرائن لو أردنا النظر إليها من خلال كلام العلماء أو حتى النظر المحض لوجدناها على ثلاثة أنواع
الأول : قرائن متعلقة بنفس المتكلم من حيث إمكانية العلم والجهل فالناس ليسوا على درجة واحدة في فهم الأدلة وهذا ما قرره ابن تيمية في رده على المعتزلة القدرية الذين يرون إمكانية العلم واحدة في كل المسائل التي يسمونها في الحكم الدنيوي والأخروي معاً والقائلون بالعذر ينقلون كلامه في هذا ولا ينتبهون إلى أمر هام وهو أن كثيراً من تأصيلات القائلين بالعذر ينكت عليها بنفس تنكيت شيخ الإسلام على المعتزلة القدرية فهم جعلوا كل الناس متساوين في العذر فعاكسوا قول المعتزلة ووافقوا أصل التساوي بين كل الأفراد فالعالم معذور بتأويله والجاهل معذور بجهله فصار الجميع المسألة خفية في حقهم ولما وصف الشيخ قول المعتزلة بأنه مكابرة للحس ينطبق هذا على قول العاكسين لقول المعتزلة حيث سووا بين كل الناس في وقوع العذر
الثاني : قرائن متعلقة ببيئة الإنسان كما يقال أهل الفترة والذين بعد الفترة وكما يقال نشأ ببادية بعيدة.
=