منه بدأ عبارة تصحح القول بإثبات الصفات الفعلية
منه بدأ عبارة تصحح القول بإثبات الصفات الفعلية
من المشهور جداً في الكتب العقدية ما يروى عن عدد من كبار السلف من قولهم في القرآن ( منه بدأ ) ، وهذه العبارة تثبت القول بإثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل
وذلك أننا قد شرحنا أن الجهمية والمعتزلة ومعهم الكلابية والأشعرية والماتردية ومن تأثر بهم من المنتسبين لأهل الحديث عندهم قسمة ثنائية إما صفة ذات قديمة مثل الحياة والقدرة لا توصف بالابتداء وذهب الكلابية إلى أن الكلام من هذا الباب
وإما صفة فعل متعدي مباين لله عز وجل مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والإثابة والعقوبة وهذه كلها أمور ر يخلقها في عباده
وأما الفعل الاختياري ( الفعل اللازم) الذي يقوم بالذات مثل الكلام بمشيئة والغضب والرضا والمحبة والرحمة كل ذلك لا يثبتونه أو يحملونه على الفعل المتعدي وهو الخلق أو الرزق أو الإثابة
ولو ثبت لله عز وجل فعل اختياري يقوم به فهو غير مخلوق ضرورة لأنه منه سبحانه والقول بخلقه يعني أن الخالق منه شيء مخلوق وهذا جمع بين النقيضين وقول بالممتنعات وقد دلت النصوص على أن هناك أفعالاً لازمة اختيارية متقدمة على الأفعال المتعدية المباينة ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ف( كن ) يعني الفعل الاختياري اللازم ويكون هو ( الفعل المتعدي ) المباين
والأشعرية إذا قالوا ( كلام الله غير مخلوق ) فهم يعنون ( القديم ) الذي لا بداية له وليس فعلاً اختيارياً ولا فعلاً متعدياً ولا فيه شيء من الصفات التي تدل على أنه فعل فهو ليس حرفاً ولا صوتاً ، والقرآن الذي بين أيديناً هو مخلوق مباين أو فعل متعدي ، ولهذا إذا تناظروا مع المعتزلة يحاول المعتزلة أن يثبتوا لهم أنه لا قرآن ولا كلام إلا الذي بين أيديناً ( وهذا صحيح ) ثم يلزمونهم بناء على أصلهم المشترك في نفي الأفعال الاختيارية اللازمة بأنه فعل متعدي مباين ، ويرد عليهم بعض الأشعرية بكلام السلف بالقول بتكفير من يقول بخلق القرآن ويستدلون ببعض النصوص والعقليات ليقولوا أن هناك قرآناً غير مخلوق وبناء على أصلهم المشترك ينبغي أن يكون شيئاً قديماً لا بداية له ليس فعلاً متعدياً وأما الفعل الاختياري فالكل ينفيه ، وحتى في مناظرات الحنابلة المتأثرين بأصل ابن كلاب في نفي الصفات الاختيارية والقول بأن الكلام لا بداية لهم يحاول الأشعرية أن يبينوا لهم أن القرآن الذي بين أيدينا إثبات أنه كلام الله يقتضي ضرورة إثبات الأفعال الاخيارية اللازمة وأن تسميتك له ( قديم ) مع قولك بالحرف والصوت واللغة والتعدد فيه كلام متناقض وقد رأيت بعض الحنابلة ممن لم يفهم كلامهم يقرر الصفات الفعلية بشكل واضح ثم هو يتكلم بقدم القرآن ! ( ولا يمكن لفريق أن يقيم الحجة على الآخر بشكل تام لكون كل فريق منهم في قوله حق وباطل والحق الذي في أقوالهم يجتمع في مقالة أهل الحديث في إثبات الأفعال الاختيارية اللازمة متقدمة على الأفعال المتعدية المباينة وهذا ظاهر النصوص وبهذا درء ابن تيمية بين العقل والنقل بعبقرية فذة لا يقوم لها واحد من هؤلا جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً )
إذا فهمت هذا فقول السلف ( القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدا ) ينقض أصل الجميع ويثبت الأفعال الاختيارية لأن قوله ( منه بدأ ) يثبت بداية للقرآن وهذا ينكره الكلابية وكل من تأثرهم بأصلهم وفيه إثبات أنه ليس مبايناً كما يعتقد المعتزلة
قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل قال: حدثني أبي حنبل قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قال اللَّه في كتابه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] فجبريل سمعه من اللَّه، وسمعه النبي من جبريل عليهما السلام، وسمعه أصحاب النبي من النبي عليه السلام، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه، وأسماء اللَّه في القرآن وصفاته في القرآن من علم اللَّه وصفاته منه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقد كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا، وقالوا ما قالوا، دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، فبان لنا أمرهم وهو الكفر باللَّه العظيم.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يزل اللَّه عالمًا متكلمًا، نعبد اللَّه بصفاته غير محدودة، ولا معلومة إلا بما وصف بها نفسه، سميع عليم، غفور رحيم، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذِه صفات اللَّه تبارك وتعالى وصف بها نفسه، ولا تدفع ولا ترد، وهو عنى العرش بلا حد كما قال، استوى على العرش كيف شاء، والمشيئة إليه والاستطاعة له. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
قال عبد الغني في الاقتصاد : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في القرآن: " ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله، منه بدا وإليه يعود".
=
=
ـ وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود: " القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعود".
ـ وروي عن سفيان بن عيينة قال: سعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: " القرآن كلام الله منه بدا وإليه يعود ". رواه محمد بن جرير بن يزيد الفقيه وهبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ الطبريان في كتاب السنة لهما دينار أبا هريرة وابن عباس وابن عمر.
واحتج أحمد1 على ذلك بأن الله كلم موسى فكان الكلام من الله والإستماع من موسى، وبقوله عز وجل: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي}
وروى الترمذي من رواية خباب بن الأرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم لن تتقربوا إلى الله بأفضل مما خرج منه". يعني القرآن
أقول : ولابن قدامة كلام نحواً من هذا وكذا الضياء في جزئه في كلام الله
وقال المرداوي في التحبير : إذ غالب الناس في هذه الأزمنة يقول: (من قال: إن الله يتكلم بصوت، يكون كافرا) ، فهذا الإمام أحمد - رحمه الله ورضي عنه - قد صرح في غير رواية بأن الله يتكلم بصوت بقدرته ومشيئته إذا شاء وكيف شاء، وهجر من قال: إنه لا يتكلم بصوت وبدعه.
وهذا الإمام الكبير عبد الله بن المبارك، إمام الدنيا على الإطلاق، الذي اجتمع فيه من خصال الخير ما لا يجتمع غالبا في غيره، قد قال: (إن الله يتكلم بقدرته ومشيئته بصوت كيف شاء ومتى شاء وإذا شاء بلا كيف) .
وهذا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، من أعظم أئمة المسلمين بلا مدافعة في ذلك، قد قال في كتابه: " خلق أفعال العباد ": (إن الله يتكلم بصوت، وإن صوته لا يشابه صوت المخلوقين، وإنه يتكلم كيف شاء ومتى شاء).
( كيف شاء ومتى شاء ) واضح غاية في إثبات الفعل الاختياري اللازم وقد رأيت لبعض من يدعي النظر في المعقولات كلاماً استعجبت منه فهو مسلم تماماً لأصل المعطلة في حصر الفعل بالفعل المتعدي المباين ثم وجدته يصف أفعال الله المتعدية المباينة بأنها قديمة !! ، وهذا عجيب فلم يقل أحد من العالمين أن هذه الأفعال قديمة فالكلابية قالوا في الكلام قديم ليهربوا من القول بالخلق ، والمعتزلة قالوا بالخلق لأنهم شاهدوا أنه فعل وقد حصروا الفعل بالمباين فالفعل لا يكون قديماً هذا جمع بين النقيضين إلا أن يريد جنس الأفعال أو المفعولات غير أنه لا يقول بهذا ولا يدين به بل هو كغيره يخلط بين الحكم على النوع أو الجنس والحكم على الأفراد فإذا قلت جنس الأفعال قديم يفهم أنه لا بد أن يوجد فرد قديم كما أنك لو قلت جنس أكلات أهل الجنة مثلاً غير منتهية فإنه يفهم أنه لا بد أن تكون أكلة معينة غير منتهية ولا قائل بهذا لأن ما كان لا بداية له أو لا نهاية له حكم الجنس فيه يختلف عن حكم الأفراد ، وإما أن يريد بقوله بأن صفة الخلق والرزق قديمة اعتبار القدرة عليها وهذا أيضاً باطل فالقدرة على الفعل شيء ونفس الفعل شيء آخر وإلا لجاز أن نقول لم يزل الله خالقاً لهذا العالم كما يقول القائلون بقدم العالم بحجة أن ذلك باعتبار القدرة ، ويا ليت شعري الرزق والخلق يتعلق بمخلوق فالقول بقدم الصفة الخلق يلزم منه قدم المتعلق
قال ابن قدامة في المغني :" وقال أبو حنيفة: ليس بيمين. ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل، فلا يكون الحلف به يمينا، كما لو قال: وخلق الله" انظر كيف سوى بين ( صفة الفعل ) و ( الخلق ) وهذا مبني على المصطلح الشهير آنذاك أن الفعل يقصد به الفعل المتعدي المباين ، ويقولون صفة ذات ويقصدون بها الصفات الذاتية والفعل اللازم عند من يثبته لأنه من الذات ابتدأ وهذا لبيان أنه لا أحد يصف الخلق ( الفعل المتعدي المباين ) بالقدم لأنه فعل ولهذا إذا وجدت شخصاً يقول الاستواء على العرش ( صفة فعل ) أو ( صفة ذات ) فهو يريد هل هو فعل متعدي مباين أو هو فعل لازم قام بالذات ولم يقل أحد أن الاستواء صفة ذات لا توصف بأنها فعل بحال
وفي حاشية اللبدي على نيل المآرب :" والرحمة في الأصل رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى من المحال على الله تعالى، فيراد لازمها وهو الإنعام والإحسان، أو إرادة الإنعام والإحسان. فعلى تفسيرها بذلك تكون صفةَ فعلٍ، وعلى تفسيرها بالإرادة
ولهذا كله إنما يتمشّى على مذهب الخَلَف القائلين بأن الرحمة والغضب والرضا لها مبادئ ونهايات. فالله عزّ وجلّ يوصف بها باعتبار النهاية، لا باعتبار المبادئ"
تأمل قوله ( يوصف بها باعتبار النهايات ) يعني الفعل المتعدي المباين لا ( باعتبار البدايات ) وهذا مذهب الخلف لأنهم لو وصفوه بها باعتبار البدايات فإنهم سيثبتون الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة اللازمة ، إذا فهمت تقرير اللبدي هذا تفهم ما في قولهم ( منه بدأ ) وفي لقظ لسفيان ( منه خرج ) قال ابن حمدان في " نهاية المبتدئين ": (قال أحمد: " منه بدأ [وإليه] يعود ".
وقال أيضا: " منه بدأ علمه، وإليه يعود حكمه ".
وقال تارة: " منه خرج، وهو المتكلم به، وإليه يعود ( واللفظ الثاني صريح ولا يمكن دفعه إلا بمكابرة في الدلالة على المقصود )