هل قال ابن العربي المالكي بأن من قال أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار
هل قال ابن العربي المالكي بأن من قال أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم في النار فهو ملعون؟
معلوم أن هناك عدة أحاديث صحيحة تدل على عدم نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم منها الحديث المشهور في صحيح مسلم ( إن أبي وأباك في النار )
وحديث النهي عن الاستغفار لأم النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأحاديث مشهورة بين العلماء في الأزمنة المتقدمة تلقوها بالقبول وفهم منها بعض العلماء دليلاً من دلائل النبوة إذ ما حوبي والدي النبي صلى الله عليه وسلم في أمر التوحيد.
ومن قال أنهم من أهل الفترة يقال له: دلت الأخبار على أن أهل الفترة يمتحنون فليس كلهم ناجين ولا كلهم هالكين فإذا جاء خبر بتعيين هالك منهم ما كان ذلك منافياً لكونه من أهل الفترة؛ ولو كان كل أهل الفترة ناجين لكانت الرسالة شقاء على الناس إذ كانوا كلهم ناجين فجاءت الرسالة ففرقتهم إلى ناج وهالك.
غير أن جماعة المتأخرين –مثل السيوطي- ما أعجبهم ذلك وقالوا بنجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وما أقاموا في ذلك حجة سوى العاطفة وتجرأ السيوطي على تضعيف حديث مسلم (إن أبي وأباك في النار)!
وما توقف السيوطي عند اختيار النجاة حتى زعم أن مخالفيه مؤذون للنبي صلى الله عليه وسلم ولوح بجواز لعنهم مع أنهم ما زادوا على الإيمان بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الموجودة في أصح المصادر.
قال السيوطي في كتابه مسالك الحنفا: "(وقد) سئل الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي عن رجل قال إن أباه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النار فأجاب بأنّه ملعون لآية "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة" ولا أذي أعظم من أن يقال إن أباه في النار اهـ".
وتبع السيوطي على هذا النقل الكثير من المتأخرين من مختلف المذاهب الفقهية وانتشر هذا النقل بين صوفية أهل زماننا حتى أن غالبهم يعتقد هذا المضمون.
=والواقع أن السيوطي غلط على ابن العربي؛ فقد ذكر الونشريسي في [المعيار المعرب: 12/ 257 - 262] الفتوى بكاملها، وأن رجلاً أطلق اللعنة على والد النبي، فقال ما نصّه: (إن لاعن والد النبي ملعون على لسان النبي إذ قد بلغنا عن ربنا أنه قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) (الأحزاب: 57) .... ).
إلى أن قال: (وقال النبي: ( إن أبي وأباك في النار وأمي وأمك في النار - هكذا -) بياناً لحكم الله في الدين وتفريقاً بين المؤمنين والكافرين ... ).
وقال: (والد النبي ليس كأبي جهل وإن كان كافراً لأن أبا جهل عدو مباين لمضايقته على النبي ولإذايته له ولأصحابه ولصده عن سبيل الله ولمحاربته لله ولرسوله، و والد النبي فما زاد على أن ظلم نفسه ... ).
فهذا كلام ابن العربي، وهو بكماله في المصدر المشار إليه، فتأملوا يا أهل الأمانة في النقل مدى الفرق بين الكلامين! وكيف أن ابن العربي يرى كفر والد النبي، وأنه في النار، وأنه ممن ظلم نفسه!
(هذا مستفاد من أحد الأخوة )
أقول: فظهر أن القوم لاعنون لابن العربي وغيره فما كفاهم نسبة عامة أمة الإسلام على مر العصور إلى الوقوع في الكفر
قال السنوسي في: (شرح أم البراهين ص 86): "وأما العامة فأكثرهم ممن لا يعتني بحضور مجالس العلماء، ومخالطة أهل الخير، يتحقق منهم اعتقاد التجسيم والجهة، وتأثير الطبيعة –القول بالأسباب– وكون أفعال الله تعالى معللة لغرض، وكون كلامه جل وعلا حرفًا وصوتًا، ومرة يتكلم ومرة يسكت، كسائر البشر، ونحو ذلك من اعتقادات أهل الباطل، وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقدها". اهـ
وهذه الجارية التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم يضربون بها المثل على فاسد العقيدة الذي عذره بالجهل قال القرافي في الفروق: "قال القاضي عياض في كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة، ولم ينفها كفره الطبري وغيره وقيل لا يكفر، وإليه رجع الأشعري؛ لأنه لم يصمم على اعتقاد ذلك ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني الحديث. وحديث «السوداء لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين الله قالت في السماء» قال، ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها".
فتأمل كيف قرن بين الجارية التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان ومن شك في قدرة الله عز وجل ولهذا قال ابن تيمية فيهم أنهم يشبهون الروافض من جهة الاستهانة بالسلف والخوارج من جهة التكفير بالحق!
=