قال المتنبي مادحاً سيف الدولة الحمداني
قال المتنبي مادحاً سيف الدولة الحمداني
أَرى المُسْلِمينَ مَعَ المُشْرِكِيْنَ ... إِما لِعَجْزٍ وإِما رَهَبْ
وأَنْتَ مَعَ اللَّهِ في جَانِبٍ ... قَلِيْلُ الرُّقَادِ كَثيرُ التَّعَبْ
كأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ ... وَدانَ البَريَّةُ بِابْنٍ وأَبْ
قال إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري في كتابه شرح شعر المتنبي :" الرهب: الخوف.
فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم.
ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن.
ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، وكان من سواك من المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه"
أقول : هذه الأبيات معانيها لطيفة وتصلح للاستشهاد في زماننا فحقاً مخالفة أهواء الكفار المتسلطين تتطلب توحيداً وتوكلاً عظيمين
وقد كان سيف الدولة الحمداني صاحب نكاية عظيمة في الروم حتى قال الذهبي في سير أعلام النبلاء :" صاحب حلب, مقصد الوفود، وكعبة الجود, وفارس الإسلام، وحامل لواء الجهاد. كان أديبا مليح النظم, فيه تشيع.
ويقال: ما اجتمع بباب ملك من الشعراء ما اجتمع ببابه.
وكان يقول: عطاء الشعراء من فرائض الأمراء.
وقد جمع له من المدائح مجلدان.
أخذ حلب من الكلابي نائب الإخشيذ في سنة ثلاث وثلاثين، وقبلها أخذ واسط، وتنقلت به الأحوال, وتملك دمشق مدة, ثم عادت إلى الإخشيذية، وهزم العدو مرات كثيرة"
غير أن تلميذه ابن كثير كان أضبط في توصيف الحال حيث قال :" كذلك سيف الدولة بن حمدان بحلب فيه تشيع وميل إلى الروافض، لاجرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم، وتقليدهم سادتهم وكبراءهم وآباءهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام، وكان فيهم الرفض وغيره، استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، ولم يبق مع المسلمين سوى حلب وحمص وحماه ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل وغيرها مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والطقوس الانجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع"
وقال أيضاً وهو يصف تلك الفترة :" وقد امتلأت البلاد رفضاً وسبّاً للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصراً وشاماً وعراقاً وخراسان وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضاً، وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة "
أقول : لما قرأت هذا الكلام تذكرت جماعة ( السواد الأعظم ) الذين يستدلون لصحة مذهبهم بأنهم السواد الأعظم مع كون عقائدهم غير مفهومة لعوام الناس فلو كانوا في زمن انتشار الرفض في بلاد الإسلام لصاروا روافض بحجة أن هؤلاء السواد الأعظم والسواد الأعظم يعني المتناهي في العظم ويعنى به إجماع السلف لا ما يغلب على الخلف فقد بدأ الإسلام غريباً ويعود غريباً وما وظيفة المجددين إذا كانت الغالبية دائماً على حق علماً أن هؤلاء الروافض ليسوا على مذهب واحد فمنهم الإسماعيلي القرمطي ومنهم الإمامي ومنهم من هو مترفض لا هو إمامي ولا إسماعيلي بل مزيج
وأحسب الحمدانيين كذلك فاحتفائهم بالفارابي يوحي بتعظيم للفلسفة المشائية وذلك في الإسماعيلية أعظم وما كانت الإمامية تحتفي بهم ولا يذكرونهم
ولو قام كل واحد من هؤلاء بإنشاء مدرسة لمذهبه فهل يصح للمترفض أن يستدل ويقول المدرسة الفلانية والفلانية والفلانية تابعة لمذهبنا كما يستدل الأشعرية اليوم بكون الجامعة الفلانية والجامعة الفلانية تابعة لمذهبنا وعلى عادتهم يخلطون بين الأشعرية والماتردية وبينهما خلافيات حقيقية ثم هم لا يعجزون عن إثبات مذهبهم عن السلف الكرام فحسب بل يعجزون عن إثبات أن طريقة متقدميهم هي عين طريقة متأخريهم
والذي أريد قوله أن الاستدلال على تصحيح المذهب أو التهوين من شأن بدعته من أن فيهم المجاهد الفلاني أو العالم الفلاني منهج غير سديد
فهذه الأمور هي مشتركات في الأمة وأهل السنة يعظمون مذهبهم من جهة أنه مذهب الصحابة وجماهير أهل القرون الفاضلة وهؤلاء هم الرأس في كل كمال في الأمة وكل من كان فيه خير فهو مقتدي بهم وإن كان ساباً لهم أو منافراً لطريقتهم وأن كل خير في أهل الباطل هو في أهل الحق أصفى وأنقى
=