من المواقف المعتادة للعديد من المثقفين والعامة أنهم إذا وقفوا على اختلاف الناس م
من المواقف المعتادة للعديد من المثقفين والعامة أنهم إذا وقفوا على اختلاف الناس ما بين شيعة وسنة وزيدية وإباضية استدلوا على عدم جواز هذه التسميات بقوله تعالى : (هو سماكم المسلمين)
وهذا استدلال سيار جداً في الثقافة الحديثة إذ أنني لم أَجِد عالما قبل هذا العصر يستدل بهذه الآية على هذا المعنى
وهنا لا بد من أن نسأل هل المعترض عنده مشكلة في تصنيف المسلمين إلى فرق ؟ ، يعني هو يعتبر تلقيبك للمسلم بأي لقب يميزه عن غيره من المسلمين أو يجعله دونه أمراً ممنوعاً بنص الآية
أم أنه يرى أنه لا يجوز لك التسمي باسم غير الإسلام تمييزاً لنفسك عن مسلم آخر خالفته عقائدياً أو فقهياً وفِي الواقع المعنيان متلازمان
فإنك إن قبلت أن تقول ( شيعي ) و( خارجي ) و ( مرجيء ).
فإنك إن سميت نفسك مسلماً في مقابلهم فكأنك تحكم بكفرهم جميعاً ( وهذا لا يريده حتى المستدل في العادة ) وأما إن اتخذت لنفسك اسماً يميزك عنهم مع إبقائك لمن بقي منهم على أصل الإسلام في دائرة الإسلام فهذا هو التصرف المنفور منه والمزعوم أن الآية تخالفه
والخلاصة أن الاستدلال بالآية مبني على أن اسم الإسلام إذا وقع على شخص فإنه لا يجوز أن يقع عليه اسم آخر ولو داخل مسمى الإسلام فالمسلمون يتفاوتون وهذا الفهم خلاف القرآن في نصوص أخرى
ففي القرآن أطلق اسم ( الأعراب ) على الذين لم يهاجروا وفِي مقابلهم المهاجرون والأنصار وكلهم يشملهم اسم الإسلام وهذه تقسيمات داخل الإسلام
وكذلك أطلق اسم ( الفاسق ) واسم ( العدل ) وهما قسمان داخل الإسلام فَلَو قال العدل لا أتسمى إلا بالإسلام لأوهم أنه يكفر الفاسق
ووجود أهل بدع في الإسلام أمر دلت عليه نصوص كثيرة من أقواها أخبار الحوض (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) ثم في نفس الحديث (فلا أرى ينجو منهم إلا مثل همل النعم). فإذن لا زالوا مسلمين
والصحابة كانوا يتكلمون بتصنيف الخوارج كما ورد عن بعضهم لعن الأزارقة ويذكرون الأحاديث في ذمهم مع عدم تكفير علي لهم وقد قال علي : يهلك فيَّ اثنان . ثم ذكر الجافي والغالي وهؤلاء لا بد أن تلحقهم تسميات تبين وجه انحرافهم كقول الناس نواصب وروافض
وعلى هذا قامت كتب الفرق على مر العصور
وكانت طريقة بعض العلماء أن يكون ذكرهم للإسلام في مقابل بدعة ما فيه الإشارة إلى كونها بدعة مكفرة كما فعل ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية
فهذه تصنيفات علمية تضبط الخلاف وتبين الواقع المنهجي لهذا كان يقال أهل الحديث وأهل الرأي وأهل الظاهر ولَم يكن أحد يعترض على هذه التسميات بقوله تعالى (هو سماكم المسلمين) لأن الكل لا يجد مشكلة من كونه مسلماً وعلى المنهج الفلاني أو الطريقة الفلانية تمييزاً عن غيره حتى ولو كانت بدعته مُكَفرة
ونظير هذا الاستدلال بقوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) على نفس المعنى السابق استنباطه من قوله تعالى (هو سماكم المسلمين)
علماً المستدل نفسه سيكون له توجه خاص يفارق به الآخرين ويعتقد أنه على الهدى
وقد قال الله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) فهل من سلم لله ورسوله كمن لم يسلم واكتفى بالانتساب للإسلام فتأتي وتذم الجميع وتنزل الآية في غير منزلتها فهي تتكلم عمن تفرقوا على الهوى والتنافس والمكايدة مع ضلال الجميع
وأين أنت من قوله تعالى : (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)
وقبلها أمر بالإصلاح فدل على أن الخلاف بين المسلمين أنواع منه ما يمكن أن يكون فيه إصلاح ومنه ما يكون فيه الظالم المخالف ظاهراً فهنا تقف مع الحق لا تأتي وتذم الجميع وهل إذا سميت الفئة الباغية بهذا الاسم تكون قد خالفن ( هو سماكم المسلمين ) وقد قال النبي ﷺ لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين
وقل لي كيف تفهم قوله تعالى :( ولا يزالون مختلفين إلا ما رحم ربك )
فإن المرحومين سيكونون مخالفين لهؤلاء المختلفين على الأقل في ترك الخلاف على فهمك والواقع أن المرحوم من أصاب الحق لأنه متبع والآية أصلا في اختلاف الملل ونحن مخالفون لهم يقينا وبيننا وبينهم جدل
قال ابن كثير في تفسيره : وقوله : ( إلا من رحم ربك ) أي : إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين . أخبرتهم به رسل الله إليهم ، ولم يزل ذلك دأبهم ، حتى كان النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمي خاتم الرسل والأنبياء ، فاتبعوه وصدقوه ، ونصروه ووازروه ، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة; لأنهم الفرقة الناجية ، كما جاء في الحديث( ثم ذكر الحديث الافتراق الذي اشتهر السعي قي تضعيفه هذا الزمان تقليدا لبعض من شذ لأنهم فهموا الآيات ذلك الفهم العجيب ).
=