من فقه الإمام الشافعي في دفع الكرب والهم..
من فقه الإمام الشافعي في دفع الكرب والهم..
قال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه: "ثنا أبي، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: "ما رأينا أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي، فدخلت عليه، فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ علي ما بعد العشرين والمائة من آل عمران، وأخف القراءة، ولا تثقل.
فقرأت عليه، فلما أردت القيام، قال: لا تغفل عني، فإني مكروب".
قال يونس: عنى الشافعي في قراءتي ما بعد العشرين والمائة، ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو نحوه".
أقول: هذا إسناد صحيح للإمام الشافعي.
ومعناه أن الشافعي كان مريضاً مرضاً شديداً، فقال لصاحبه يونس أن يقرأ عليه ما بعد المائة وعشرين من آيات سورة آل عمران، وصاحبه يونس فهم أن في الآيات ذكر ما مر به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من شدائد فيتسلى الشافعي بذلك، بأن قوماً خيراً منا أصابهم البلاء الشديد فصبروا واحتسبوا، فكان ذلك رفعة لهم عند الله.
وهذا كان يخفف عن الإمام.
اقرأ معي في ذلك الموضع: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}
ولعل الشافعي أيضاً أراد الوصية ليونس تلميذه ألا يتزلزل هو وأصحابه عما علمهم الشافعي إن مات الشافعي، فليس موته بأعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى لأصحاب نبيه ما قال في شأن موته.
وأمر الاتعاظ بقصص الأولين هو الهدي القرآني فقد قال تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تتثبت أفئدتهم بذكر أخبار الأولين لهم وصبرهم في الدعوة للتوحيد، فكذلك نحن نتعظ بحال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهم خير أمة لخير نبي، فالشافعي الفقيه حتى في هذه القياس وما أحسن قياسه.
وإنني لأجد حال الصحابة عجباً، تأمل حال الرجل الذي يُسْلم حديثاً إن كان نشأ في الكفر كيف يجد مشقة لأمر العبادات حتى وإن كان يعيش بين المسلمين.
فما بالك بالصحابة الذين ما سبقهم إلى العمل بالشريعة أحد، وكانوا يؤذون أشد الأذية في ذلك، وكان يفارقهم الأهل والأصحاب على هذا الدين، ومع ذلك تجدهم على أعلى درجات الامتثال.
قال البخاري في صحيحه: "1149 -حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «عند صلاة الفجر يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" قال أبو عبد الله: «دف نعليك يعني تحريك»".
والحديث في صحيح مسلم.
بلال لا يعد أعظم أعماله صبره على التعذيب الذي لقيه في مكة وكان أصبر الناس في ذلك، ولا يعد جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يعد عبادة كان يعملها بالسر وليست فريضة (ومن هنا جاءت عظمتها في نفسه)، فهذا الذي بلغه من محبة الصلاة والتزامه بها كلما توضأ، لا يجده عامة من نشأ في الإسلام وله أبوان يحثانه على الأمر، ولا إله إلا الله أي رجال كانوا؟