كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رد ابن القيم على شبهة شهيرة من شبهات الداروينيين

المصدر
رد ابن القيم على شبهة شهيرة من شبهات الداروينيين من أشهر استدلالات مؤيدي نظرية التطور ( الداروينيين ) هو قولهم أن هناك أعضاء لا نعرف وظيفتها أو لا نعرف لماذا هي صممت هكذا وبناء عليه الكائن الحي ليس نتاج خلق عليم حكيم أو صنع متقن بل هو نتاج عملية تطور عشوائية وهذه الأعضاء هي بقايا تطورية كان لها منفعة في الأسلاف ثم ذهبت هذه المنفعة وهذا الاستدلال من أظهر اتباع الهوى والمتشابه إذ أنهم يتركون كل آثار الصنعة المتقنة أو الخلق المحكم في الكائنات الحية وهي أدلة إيجابية واضحة ثم يستدلون بدليل سلبي يحتكم فيه إلى الجهل فإذا اكتشفنا وظيفة لهذا العضو سقطت استدلالهم والعلم يتطور ويمكن أن يكتشف ومعلوم ما حصل لهم مع الجينات الخردة التي تبين أنها ليست بخردة ومن المكابرة دعوى أن نظرية التطور لم تعطل علم وظائف الأعضاء أو تضعفه فإنه إذا صارت عندك مسلمة أن هذا العضو لا فائدة منه فكيف ستفكر بالبحث عن وظيفته ، وبهذا ينعكس عليهم ما يقولونه من أن الإيمان يعطل البحث العلمي فهذا كما ترى إيمان أعمى واستدلال بتطور الفجوات وهو استدلال ظني محض في مقابل محكمات كبيرة غير أن هذا المسلك الدارويني هل هو مسلك جديد ؟ في الواقع هو مسلك قديم لأناس كانوا يطعنون في الحكمة الإلهية وقد رد عليهم ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة حيث قال :" ولمَّا اجتهدَ الطَّاعنون في الحكمة ، العائبون للخِلقة، فيما يطعنون به، عابوا الشَّعرَ تحتَ الآباط، وشعرَ العانة، وشعرَ باطن الأنف، وشعرَ الرُّكبتين، وقالوا: أيُّ حكمةٍ فيها؟ ! وأيُّ فائدة؟ ! وهذا مِنْ فَرط جهلهم وسخافة عقولهم؛ فإنَّ الحكمة لا يجبُ أن تكون بأسرها معلومةً للبشر، ولا أكثرِها، بل لا نسبة لما عَلِمُوه إلى ما جهلوه منها، فلو قِيسَت علومُ الخلائق كلِّهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفورٍ في البحر. وحسبُ الفَطِن اللبيب أن يستدلَّ بما عَرَف منها على ما لم يعرف، ويعلم [أنَّ] الحكمة فيما جهله مثلُها فيما عَلِمَه، بل أعظمُ وأدقُّ وألطف وما مثلُ هؤلاء الحمقى النَّوكى إلا كمثل رجلٍ لا علمَ له بدقائق الصَّنائع والعلوم، من البناء والهندسة والطبِّ، بل والحياكة والخياطة والنجارة؛ إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيءٍ من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعاتهم، فخَفِيَت عليه ، فجعل كلَّما خَفِيَ عليه منها شيءٌ قال: هذا لا فائدة فيه، وأيُّ حكمةٍ تقتضيه؟ ! هذا مع أنَّ أربابَ الصَّنائع بشرٌ مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم ويفُوقهم فيها. فما الظَّنُّ بمن بهرت حكمتُه العقول، الذي لا يشاركه مشاركٌ في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجهٍ ما؟ ! فمن ظنَّ أن يكتال حكمتَه بمكيال عقله، ويجعل عقله عِيارًا عليها فما أدركه أقرَّ به وما لم يدركه نفاه؛ فههو من أجهل الجاهلين. ولله في كلِّ ما خَفِي على النَّاس وجهُ الحكمة فيه حِكَمٌ عديدةٌ لا تُدْفَعُ ولا تُحْجَب. فاعلم الآن أنَّ تحت منابت هذه الشُّعور من الحرارة والرُّطوبة ما اقتضت الطَّبيعةُ إخراجَ هذه الشُّعور عليها، ألا ترى أنَّ العُشبَ ينبتُ في مستنقع المياه بعد نُضوب الماء عنها، لِمَا خُصَّت به من الرُّطوبة؟ ! ولهذا كانت هذه المواضعُ مِنْ أرطب مواضع البدن، وهي أقبلُ لنبات الشعر وأهيَأ ، فدَفعَت الطَّبيعةُ تلك الفضلات والرُّطوبات إلى خارجٍ فصارت شَعرًا، ولو حبسَتها في داخل البدن لأضرَّته وآذت باطنَه، فخروجُها عينُ مصلحة الحيوان، واحتباسُها إنما يكونُ لنقصٍ وآفةٍ فيه. وهذا كخروج دم الحيض من المرأة، فإنه عينُ مصلحتها وكمالها، ولهذا يكونُ احتباسُه لفسادٍ في الطَّبيعة ونقصٍ فيها ألا ترى أنَّ من احتَبس عنه شعرُ الرَّأس واللحية بعد إبَّانه كيف تراه ناقصَ الطَّبيعة، ناقصَ الخِلقة، ضعيفَ التَّركيب؟ ! فإذا شاهدتَ ذلك في الشَّعر الذي عرفتَ بعض حكمته، فما لك لا تعتبرُه في الشَّعر الذي خَفِيَت عليك حكمتُه؟ ! " وحقيقة مسلك العلمويين في هذا السياق لا يختلف عن مسلك العالمانيين في نظرهم للشريعة إذ يتركون كل ما فيها من حكمة بالغة وتنظيم ويقفون عند بعض المتشابهات التي لم تبلغها عقولهم ثم يريدون إسقاط الشريعة بأسرها لأجل هذه الإشكالات النابعة من قصور معرفتهم وكبرهم وقد قام الدكتور هشام عزمي في كتابه عن التطور الموجه بنقد الاستدلال بما يسمونه ( الأعضاء الضامرة ) وكذلك الدكتور إياد قنيبي في سلسلته المصورة رحلة اليقين وأظن أنه توسع في ذلك في حلقة ( أحرجتك ) وهذا مقال جامع من موقع الباحثون المسلمون في الرد على هذه الشبهة https://muslims-res.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-11-%D9%85%D8%AB%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9.html/