عولمة القيم ( المدح التوافقي والذم التوافقي )
عولمة القيم ( المدح التوافقي والذم التوافقي )
كان الناس قديماً شعوباً وقبائل كل قوم لهم خصائهم الثقافية ولا يمنع هذا من تواصلهم إذ يتواصلون على المصلحة وعلى المشتركات ولكن تقويمهم للأمور صواباً وخطأ كان مبنياً على الخصوصية الثقافية
فعلى سبيل المثال المجوسي لا يرى في نكاح المحارم بأساً وأما الوثني واليهودي والنصراني فيرون في ذلك مثلبة كبيرة والكل يمدحون الكرم والشجاعة مثلاً فإذا كان المجوسي شجاعاً ولكنه يتزوج زواج المحارم فهو عند المجوس فاضل ولكنه عند اليهودي والنصراني رجل سوء فيه خصلة حسنة
بقي الناس على هذا حتى جاء هذا الزمان حيث سيطر الغرب على العالم من الناحية العسكرية ثم الإعلامية وبدا لهم أن يقوموا ب( العولمة ) والتي تعني وجود نموذج أخلاقي مشترك موحد بين كل البشر
أشكل على ذلك دعاة النسبية الأخلاقية بأنه لا بد أن يوجد نموذج بشري يتحاكم إليه ويصير كل البشر يرغبون بمحاكاته وهذا لم يكن إشكالاً في الحقيقة فإن دعاة الأخلاق المدنية والعولمة حددوا سلفاً أن الإنسان الغربي هو هذا النموذج ولكن يتحرج كثير من التصريح بذلك لأن التعددية وعدم احتكار الحقيقة أحد هذه القيم المدنية ! وهذا تناقض ( والواقع أنهم يريدون بعدم احتكار الحقيقة أنه تبقى على دينك طقوسياً ولكن لا ترى دينك فوق قيمنا )
والإشكال الآخر أن النظرة الأخلاقية للناس في عدد من الأمور عائدة لنظرتهم الكونية ( يعني عقائدهم الدينية ) وإذا كنا لا نريد توحيد الناس دينياً فكيف نوحدهم قيمياً وأخلاقياً ، دعاة الأخلاق المدنية قرروا أن يستحدثوا قراءات دينية في كل تتوافق مع أخلاقهم المدنية ويصير المخالف ( متطرفاً ) أو ( متشدداً ) أو غيرها من العبارات علماً الإنسان الأوروبي أو الغربي بنى سلوكياته على نظرته الكونية سواء المسيحية أو العالمانية بصورتها المتوحشة أو المعتدلة والتي تحصر العالم في المادة وتحصر الأهداف في حدود هذه المادة الحاضرة
المسلمون تأثر كثير منهم بهذه النظرة تارة باسم ( الحياد ) وتارة باسم ( المهنية ) فصار يستحي من أن يقيم وفقاً للنظرة الإسلامية الخاصة بل يبحث عما يوافق القيم المدنية ويبرزه فمثلاً في القيم المدنية ( الاغتصاب ) مرفوض و ( التبرعات ) أمر جيد وأما ترك الصلاة أو فعلها فهذا أمر لا شأن لنا فيه
فصار الإنسان الذي يتبرع ولا يغتصب ثم لا يصلي شخص محترم والشخص الذي يصلي ثم يتزوج ممن يسمونها قاصراً زواجاً عن تراضي يصير إنساناً سيئاً
ولهذا صار الكثير من أبناء المسلمين يدفعه للإلحاد أو الشكوك أو بغض الدين أو استثقاله كونه يرى الإسلام لا يوافق ( القيم الغربية ) أو ( الأخلاق المدنية ) وهو يعتبرها أمراً محايداً متسامياً تحاكم إليه الأشياء ولا يحاكم هو لها والواقع أنها مبنية على سفسطة وتبشير بدين خفي
وهذا يفسر لك حديث الناس عن مصير النصراني ( مجدي يعقوب ) مثلاً لأنه وفقاً للقيم المدنية هذا الرجل محسن وأما كفره فهذا وفقاً لقيم إسلامية خاصة وهذه القيم لا تصلح للمحاكمة لأنها قيم غير غربية وقد اتفقنا أن المرجع هو الإنسان الغربي
بخلاف الحديث عن مصير ( الطغاة ) أو ( الظلمة ) فإنه يكون أريحياً أكثر لأن هؤلاء فعلوا أموراً سيئة وفقاً للأخلاق المدنية
المشكلة أن كثيراً من النخب يسيرون خلف العامة أو يدارونهم والعامة كثير منها متأثر بهذه القيم ولا يعرف أصولها الفلسفية ولا إشكالاتها وأنها لا يمكن أن تلتقي مع عقيدته
ثم إن الأمر وصل إلى بعض المنتسبين للسنة فدخلت عليهم ( فتنة التوافقية ) فاختاروا ( إسلاماً عاماً ) هذا ( الإسلام العام ) لم يتم اختياره وفقاً للموجود في المدونات العقائدية القديمة بل تم اختياره بطريقة ديمقراطية بمعنى ما يراه أكثر المسلمين إسلاماً فهو الإسلام الذي إذا تحلى به المرء صار مسلماً وإذا دافع عنه صار مدافعاً عن الإسلام حتى وإن كان ينكر ثوابت كثيرة كانت ثوابت عند المتقدمين وعليها إجماعات ولكنها زعزعزت في زماننا لاعتبارات العصر الخاصة والتي شرحنا شيئاً منها أعلاه
هذا ( السني التوافقي ) لا يكتفي بالثناء على الجانب الجيد عند المنحرفين مع بيان انحرافاتهم أيضاً ولو باللين من القول بل يثني ثناء مطلقاً لماذا ؟ لأن الجانب الخلافي مع هذا المنحرف جانب لا تحفل به الجماهير كثيراً وإن كان عظيماً وفقاً لأصولنا العلمية ولكننا اخترنا المدح والذم وفقاً لطريقة توافقية تحاكي طريقة عولمة القيم في بعض مقدماتها ونتائجها وتنتهج الديمقراطية في تحكيم الدهماء
ومن يخالف هذه الطريقة هو ( غالي ) أو ( متشدد ) أو لا يفقه المصلحة وغير ذلك والواقع أنهم متأثرون بفتنة عصرية عميقة ولا يدرون ولكي يفهموا أنها فتنة عصرية ليروا ما يقال بعد موت بعض الملاحدة والنصارى والفتنة ليست درجة واحدة بل هي مراتب منها الشديد ومنها المتوسط ومنها الخفي ولا يسلم المرء إلا بالتسليم للوحي وما قاله حملة الوحي الأوائل.
اعتراف متأخر للعالمانية النسوية نوال سعداوي
في لقاء لها مع قناة ( فرانس 24 ) في برنامج فلك الممنوع وهو أحدث لقاء لها وقد قالت في آخره أنه قد يكون آخر لها على الإطلاق ( في إشارة لقرب موتها لتقدمها في السن )
تقول النسوية العالمانية الشهيرة نوال سعداوي ما نصه : في التاريخ ( العلمانية وهم ) بتسخدمه النظم الرأسمالية عشان توهم الناس زي الديمقراطية لأنه لا يمكن يتحقق فصل الدين عن الدولة
ثم قالت : أنا دفعت ثمن العلمانية .
أقول : وكذلك النسوية مجرد أداة في يد النظام الرأسمالي الذي غايته زيادة ثراء أصحاب رؤوس الأموال مهما كانت النتائج كارثية على الدين والمجتمع والأخلاق والفضيلة
هي وهم لأنها دين موازي يريد أن يلزم الناس بما لا يلزمهم إلا بدين دون أن يلتزم التزام الدين في إثبات صحته وإنما يقدم نفسه على أنه منظومة محايدة ولذلك على الناس قبولها !
والواقع أنه منظومة مقابلة فهي خصم وليست حكماً
نوال سعداوي بعد أكثر من نصف قرن اكتشفت أنها كانت تناضل في سبيل وهم وأنها دفعت ثمن ذلك وهكذا كل من يؤمل فردوساً أرضياً في سياقات حقوقية عالمانية صريحة أو مقنعة
وكم واحدة مثلها هي الآن في ريعان شبابها وحماسها ولكنها في سن الكهولة ستقول الكلام نفسه ؟
السعيد من وعظ بغيره لا من كان هو الموعظة
العجيب أنه ما تصدر الصحف ولا القنوات تراجع نوال سعداوي عن فكرها كما فعلوا مع الحويني حين زعموا أنه تراجع عن أفكاره السلفية ! والواقع أنه كان يعتذر عن أخطاء علمية حصلت له في بداية الطريق والإعتذار تأكيد على قدر الأئمة الأعلام الأوائل وهذا لب السلفية !
في رحاب رحمة السلف الجامعة بين المصالح
دائماً أقول أن اتخاذ مواقف مفرطة في التساهل والعاطفية أمر سهل وكذلك اتخاذ مواقف مفرطة في التوحش أيضاً أمر سهل ولكن الانضباط والاعتدال هو الأمر الذي لا يحسنه إلا من حكم العلم في نفسه بعيداً عن ضغط الدهماء الذي استسلم له الكثيرون
وكما أن الجبان يرى الشجاع طائشاً والطائش يرى الشجاع جباناً لأنه يراه يحجم في مواطن الهلكة المتحققة
وكذلك البخيل يرى السخي مبذراً والمبذر يرى السخي مبخلاً لأنه يقصر عن تبذيره
وهكذا في عموم الفضائل فكذلك المفرط في التساهل يرى المعتدل متشدداً والمتوحش يراه متساهلاً والعجيب أن من حاله التناقض يرمي غيره بالتساهل والتشدد كما يشاء بالتشهي والضابط في الرجوع للأدلة وتخريج ذلك على أصول لا تنخرم
هناك شيء اسمه حق ( المسلم ) وهناك شيء اسمه ( حفظ الشريعة ) من حق المسلم أن تحفظ عرضه ولا تغتابه ولكنه إذا ابتدع في دين الله عز وجل قدم حفظ الشريعة على حفظ حقه على ألا تتجاوز في النقد عن حد الإباحة
وهذا أمر مشاهد في الحدود فمن حق المسلم ألا تناله أي عقوبة وأن يستر عليه ولكنه إذا أصاب حداً وثبت عليه ذلك قضائياً يعاقب ويشهد عذابه طائفة من المؤمنين لأن في ذلك حفظاً للشريعة والشريعة الأصل فيها أنها مصلحة عامة وأخروية والمصلحة العامة والأعلى دائماً تقدم على المصلحة الخاصة والأدنى
وهذا من الأمور التي اتفقت عليها كل التشريعات في الدنيا فحتى في القوانين الوضعية يجعلون الحرية حقاً ولكنهم يعاقبون بالسجن من استحق ذلك ويرون في ذلك حماية للمجتمع منه أو للاقتداء به
إذا فهمت ما مضى سيزول ما تجده في العادة في صدرك من قراءة الأثر التالي
قال العقيلي في الضعفاء حدثنا محمد بن أيوب قال : حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال : مات عبد العزيز بن أبي رواد فجيء بجنازته فوضعت عند باب الصفا ، واصطف الناس وجاء الثوري ، فقال الناس : جاء الثوري ، جاء الثوري ، فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليها ، وذلك أنه كان يرى رأي الإرجاء . حدثنا منصور قال : حدثنا الحميدي قال : سمعت مؤمل بن إسماعيل يقول : إن سفيان الثوري لم يصل على ابن أبي رواد فقيل له : والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي ، ولكني أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة
أقول : ابن أبي رواد كان مرجئاً وكان رجلاً صالحاً كما يقول أحمد وسفيان الثوري كان يدعو لأهل البدع بالخير
جاء في الجعديات 1901 - قال: وسمعت عبد الرحمن يقول: سمعت سفيان يقول: «إني لأدعو للسلطان، وأدعو لأصحاب الأهواء، ولكن لا أستطيع أن أذكر إلا ما فيهم»
ولكنه لم يظهر الصلاة على ابن أبي رواد لكي لا يتبعه الناس على سيرته في الإرجاء فقد كان مشهوراً بذلك مع كونه يدعو له في الباطن وهكذا يجمع بين المصلحتين وقد نبه على هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية
فقال كما في مجموع الفتاوى (24/ 286 ) :" ومن صلى على أحدهم يرجو له رحمة الله ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان ذلك حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت إحداهما"
هذا هو الفقه وأما اليوم فإنسان ثبت عليه خرق إجماعات قطعية بعضها كان السلف يكفرون المخالف فيها فلا يكتفي أحدهم بالسكوت بل يذهب يثني عليه ويثني على كتاباته دون أن يشير أدنى إشارة لما في كتبه فما أبعد فقه هؤلاء عن فقه السلف مع انتسابهم لهم انتساباً يتجلى في بعض الأبواب ويختفي تماماً في أبواب أخرى ويصير صورياً.
=
=
والسبب في ذلك أن اليوم هناك تركيز على ( حق المسلم ) على طريقة جماعة ( حقوق الإنسان ) فهذا الحق لا يسقط بأي حال عندهم وإهمال تام لموضوع ( حفظ الشريعة )
وقد يقول قائل : لا يوجد أحد ليس عنده أخطاء فإذا كان كلما مات أحد ذكرنا أخطاءه بحجة أنها لا تتبع تحولت مجالس العزاء إلى مجالس غيبة
فيقال : الأخطاء مراتب ودرجات والتسوية بينها في التسامح معها لا يقل خطورة عن التسوية بينها في التشديد في أمرها وقد ذكرت أن بعض الكتاب الذين توفوا ثبت عليهم سب الصحابة والطعن في الأحاديث وخرق إجماعات قطعية وهذه كلها أشد من بدعة الإرجاء فوقوع المرء فيما كان عند السلف كفراً ليس زلة عارضة تدمح لصاحبها
ويجوز أن يذكر الميت بسوء للتحذير من غلطه والصحابة أثنوا على تلك الجنازة شراً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو فرضنا أنه ينبغي التسامح والسكوت فلماذا يكون التعظيم والتمجيد وعلى أي أساس يخرج ؟
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة المهداة ترك الصلاة على بعض أصحاب الذنوب تحذيراً للناس من الاقتداء بهم مع قوله للناس صلوا على صاحبكم
جاء في المغني لابن قدامة :" (1670) مسألة؛ قال: (ولا يصلي الإمام على الغال من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه) الغال: هو الذي يكتم غنيمته أو بعضها، ليأخذه لنفسه، ويختص به. فهذا لا يصلي عليه الإمام، ولا على من قتل نفسه متعمدا. ويصلي عليهما سائر الناس. نص عليهما أحمد" ثم ذكر أدلة المسألة من الأحاديث النبوية الصحيحة وهذا في حقيقته رحمة بالناس لئلا تهون الذنوب في قلوبهم مع كونه يستغفر له بالباطن كما تقدم بشرط صحة إسلامه لا أنه مرتكب لمكفرات
وفي معجم البلدان لياقوت الحموي :" قال أبو طاهر ابن سلفة أنشدني القاضي أبو نصر أحمد بن العلاء الميمندي بأهر من مدن أذربيجان لنفسه
وقائلة أتبغض أهل آبه ...وهم أعلام نظم والكتابه
فقلت إليك عني إن مثلي ... يعادي كل من عادى الصحابه "
ومن يجتهد في ترديد كذبة شعوبية معتزلية تافهة تقول أن معاوية بن أبي سفيان كان ينشر الجبر ليبرر أفعاله ! قد عادى الصحابة ويا ليت شعري أمير يكون في بلده اللصوص وقطاع الطرق والمجان والدعار ومن يريد الخروج فإن وجد لنفسه عذراً في ذنوبه بحجة الجبر فقد وجد لهم وما كان هو سفيهاً ولا كان أعداؤه سفهاء حتى يقولوا له كما أنك مجبر فنحن مجبرون سبحان الله تفاهة لا أدري كيف صدقها البعض مع اعتقاده أنه من دعاة ( العقلانية ) !
هل الإمام البخاري معصوم ؟
هذا سؤال يطرحه بعض الناس ويظن أنه جاء بالسؤال المعجز الذي سيحرك كوامن العقول
والواقع أن هذا السؤال يقابله سؤال آخر : هل الشهادة لعمل ما بالإتقان والإحكام يقتضي الحكم بعصمة العامل ؟
لو فرضنا أن مجموعة من الرماة سددوا نحو عدة أهداف فأصاب كل واحد منهم عدداً من الأهداف وأخطأ البعض ولكن أحدهم تمكن من إصابة عامة الأهداف فاعترفوا له جميعاً بالإتقان في هذا العمل ، هل هذا يقتضي عصمته ؟ هذا ما حصل مع الإمام البخاري
ولكي تفهم الأمر أكثر كتاب ( الجامع الصحيح ) المشهور بصحيح البخاري هو أحد كتب البخاري وله كتب أخرى حظيت بمراجعات ومناقشات مثل كتابه التاريخ الذي كتب عليه ابن أبي حاتم ( بيان خطأ البخاري ) وهي أخطاء يسيرة في أسماء الرجال أفتراهم يتعقبونه في أسماء الرجال ويتركونه يصحح الأحاديث الباطلة بزعمكم
وحتى الجامع الصحيح حصلت عليه مراجعات من بعض كبار الحفاظ كما حصل من الدارقطني ولكن عدد الأحاديث التي راجعها يسير وفيها تردد فثبتت مثل هذه المراجعات قيمة الكتاب
وكتاب الجامع الصحيح ليس مجرد أحاديث تسرد بل هو كتاب تفقه بمعنى أن البخاري يبوب على الحديث يذكر الفائدة المستنبطة منه ثم يذكر الحديث وهذا ينبهك على أمرين هامين
الأول : عناية أهل الحديث بالمتون فإذا كان يحاول الاستنباط من الأخبار ويدقق النظر في متونها كثيراً فهو المؤهل لنقد المتون لكثرة ممارسته للنظر فيها فهو يعرف أوجه الجمع والاختلاف فيها
الثاني : أن الناس الذين شهدوا للبخاري بالإتقان في التصحيح وقالوا أن عامة عمله في انتقاء الأحاديث سليم لأنه سار على الشروط الأكثر تشديداً مع كونه إماماً متبحراً إلا أن هؤلاء الناس أنفسهم لا يوافقونه على كل ما يستنبطه من الأحاديث
فإن من المعلوم أن الإمام البخاري كان رجلاً مجتهداً لا يتقيد بمذهب وما وجدنا أحداً يتعصب لاختيارات البخاري الفقهية وما من مذهب إلا وفي كتاب البخاري تعقبات على أهله والناس مع مخالفتهم له في الاستنباط ( على عادة الناس على الاختلاف في فروع الفقه ) إلا أنهم يسلمون له عمله في انتقاء الأحاديث
وهذا الفرز يدل على أن الثناء على كتاب البخاري لم يكن من أتباع مقلدين بل إما من محققين أو خصوم أو محايدين وحتى أهل الرأي الذين كان البخاري كثير الرد عليهم واعترف بذلك بعض حفاظهم
فقال الزيلعي في نصب الراية :" والبخاري كثير التتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة، فيذكر الحديث، ثم يعرض بذكره، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، وقال بعض الناس: كذا وكذا، يشير ببعض الناس إليه، ويشنع لمخالفة الحديث عليه، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول في أول كتابه: باب الصلاة من الإيمان، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة؟ قوله: إن الأعمال ليست من الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء، ومسألة الجهر يعرفها عوام الناس ورعاعهم، هذا مما لا يمكن، بل يستحيل، وأنا أحلف بالله، وبالله لو اطلع البخاري على حديث منها موافق بشرطه، أو قريبا من شرطه لم يخل منه كتابه"
وقال أيضاً :" فالبخاري رحمه الله مع شدة تعصبه وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثا واحدا"
ومن نظر في جزء القراءة خلف الإمام وجزء رفع اليدين وكتاب الضعفاء للبخاري عرف شدة منافرته للقوم ومع ذلك ما استطاعوا إلا التسليم بقوة عمله في الصحيح وما استطاعوا أن يحذفوا من كتابه ما يشينهم وما في كتبه الأخرى مع كون السلاطين الذين على مذهبهم وقد تسلطوا على بلاد الإسلام زماناً طويلاً كانوا يعاقبون من يظهر شيئاً من كلام السلف في إمامهم فقد ذكر الذهبي في السير من امتحن لقراءته الحلية وذكر في ترجمة عبد الغني أنه كاد يقتل لقراءته الضعفاء للعقيلي على الناس وكذلك المزي لما قرأ تاريخ بغداد سجن والنخشبي تم جلده حتى علمت السياط في ظهره ومع ذلك بقيت هذه الأمور إلى يومنا وما استطاعوا أن يقربوا كتاب صحيح بشيء
ولو وجد المتعصبون منهم عليه مطعناً قوياً لأشاعه بين الناس ولاقتنع به كثير من المتعصبين وعاونهم من عاونهم من السلاطين ولكن الأمر كان أقوى من هذا كله
قال الخطيب البغدادي في تاريخه :" والذي عند البغوي عند علي بن الجعد محصور معروف لا يزاد فيه ولا ينقص"
فهذا حديث البغوي عن علي بن الجعد فما بالك بكتاب شهير مثل صحيح البخاري تجده في كل عصر ومصر فاشياً بين الناس.
ماذا لو قالها ابن تيمية ؟
قال الشريف المرتضى ( وهو من أعلام الجهمية الإمامية ) في كتابه الشافي في الإمامة ( 1/83) :" فأما ما رمي به هشام بن الحكم بالتجسيم فالظاهر من الحكاية عنه القول بجسم لا كالأجسام ولا خلاف أن هذا القول ليس بتشبيه ولا ناقض ( كذا ) لأصل ، ولا معترض على فرع وأنه غلط في عبارة يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة "
أقول : الشريف المرتضى وهو من أعيان النفاة يقول أنه لا خلاف في أن التجسيم ليس تشبيهاً بالضرورة إذا قال أن الله جسم لا كالأجسام وهذا خلاف ما يظنه كثير من الأشعرية المتأخرين بل وبعض المنتسبين للسلفية
ثم ذكر أن لفظ ( الجسم ) يرجع أمره إلى اللغة وهذا هو تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية فهو مع كونه لا يثبت هذا اللفظ ومن زعم أنه يثبته غلط عليه غلطاً فاحشاً ولكنه يقول أن نفيه يحتاج إلى الاستفصال فإن أريد بالجسم المفتقر لغيره أو الحادث فهذا معنى باطل وإن أريد القائم بذاته أو ما له وجود عيني حقيقي في الخارج أو ما يجوز رؤيته فهذا معنى سليم وإن كان لا يطلق إلا ما في النصوص والآثار
جاء في كتاب مقالات الأشعري لابن فورك ص59
" ان قال قائل اتجيزون أن لو ورد الخبر بأنه جسم او متحرك كما ورد أن له يدين ووجهًا وعينًا؟
فأجاب بأن ذلك لو ورد على الوجه الذي يليق به لكان غير مُنكر لا على معنى انه محل للحركة وانه مؤلف بل على معنى انه فعل الحركة وانه قائم بنفسه مستغنٍ عن غيره ... "
قال الباقلاني في التمهيد :" فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون جسما على معنى أَنه قَائِم بِنَفسِهِ أَو بِمَعْنى أَنه شَيْء أَو بِمَعْنى أَنه حَامِل للصفات أَو بِمَعْنى أَنه غير مُحْتَاج فِي الْوُجُود إِلَى شَيْء يقوم بِهِ قيل لَهُ لَا ننكر أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ حَاصِلا على جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام والأوصاف وَإِنَّمَا ننكر تسميتكم لمن حصلت لَهُ بِأَنَّهُ جسم وَإِن لم يكن مؤلفا فَهَذَا عندنَا خطأ فِي التَّسْمِيَة دون الْمَعْنى لِأَن معنى الْجِسْم أَنه الْمُؤلف على مَا بَيناهُ"
فهنا الباقلاني أرجع الخلاف معهم على أنه خلاف لغوي وأنهم إذا أرادوا المعنى السليم فالخلاف معهم في التسمية لا المعنى
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية :" وكذلك لفظ التجسيم هو كلفظ التأليف والتركيب والتبعيض والتجزئة من معناه ما هو متفق على نفيه بين المسلمين ومنه ما هو متفق على نفيه بين علماء المسلمين من جميع الطوائف إلا ما يحكى عن غلاة المجسمة من أنهم يمثلونه بالأجسام المخلوقة وأما المعنى الخاص الذي يعنيه النفاة والمثبتة الذين يقولون هو جسم لا كالأجسام فهذا هو مورد النزاع بين أئمة أهل الكلام وغيرهم وهو الذي يتناقض سائر الطوائف من نفاته لإثبات مايستلزمه كما يتناقض مثبتوه مع نفي لوازمه ولهذا كان الذي عليه أئمة الإسلام أنهم لا يطلقون الألفاظ المُبْتَدعة المتنازع فيها لا نفيًا ولا إثباتًا إلا بعد الاستفسار والتفصيل فيثبت ما أثبته الكتاب والسنة من المعاني وينفي ما نفاه الكتاب والسنة من المعاني والمقصود هنا أن التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله وهو المذكور في الكتاب والسنة وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هو هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها هؤلاء المتكلمون".
للتو قرأ إمامنا في صلاة الفجر آيات من سورة يوسف تلك القصة العجيبة المؤثرة التي أفردت لها سورة لوحدها
وأنا هذه الأيام حديث عهد بكتب الأدب وما فيها من نظم وشعر
وسبحان الله لا يضاهي القرآن شيء
فإن القصة إن كانت منظومة في قصيدة فإن تأتي معجزة وغير مفهومة وتحتاج إلى شرح وإن وضحها أفسد القصيدة من ناحية الحبكة
وإن جاءت منثورة فإنها يكون فيها إطناب كبير وذكر تفاصيل لا يتضح المقام تماما إلا بها في نظر الكاتب وإذا جاء ذكر الشهوات فإن عادة الكتاب يخرجون إلى ما يخدش الحياء ، ثم في الغالب العبرة لا تكون بينة بسبب غرقها في الأحداث
غير أنك إذا نظرت في سورة يوسف وجدت أحداثًا كثيرة حصلت في سنين طويلة من رؤيته الرؤيا ومراودة أخوته لأبيه ثم خروجه مع أخوته وصنيعهم معه وتشاورهم في أمره وحديثه مع السيارة ثم مع العزيز وامرأته ومراودتها له عن نفسه ثم اتهامه ثم ظهور براءته ثم ما حصل مع نساء مصر وامرأة العزيز ثم دخوله السجن وحديث صاحبي السجن ثم رؤيا الملك وتفسير يوسف لها ثم حظوة يوسف عند الملك ثم ظهور براءته مما رمته به امرأة العزيز ثم قصته مع أخوته وصواع الملك وما دبر ثم لقياه لأهله ووالديه علم أتم ما يكون
كل ذلك دون أي إطناب في التفاصيل ومع وضوح القصة والعبرة وبلاغة عالية تحمل الإيجاز والوضوح مع التأثير العجيب على النفوس حتى أَن كثيرا من العامة هذه السورة قريبة جدا إلى نفسه ويبكي منها ولم يقرأ شيئًا في تفسيرها
وأعجب القصص إلى النفوس ما كان فيها فرج بعد الشدة حتى صنف القاضي التنوخي كتابا عجيبًا اسمه الفرج بعد الشدة جمع فيه الكثير جدا من هذه القصص وقد اجتمع ذلك في سورة يوسف على أتم ما يكون
فهناك فرج من كان معرضا للموت ثم نجا وقد كان هذا حال يوسف عليه الصلاة والسلام في البئر
وهناك فرج من ثبتت براءته بعد شدة تحقق التهمة عليه لقوة جانب المتهم وهذا كان حاله مع امرأة العزيز في بيتها
وهناك فرج الخروج من السجن لمن سجن ظلما وهذا كان حاله في خروجه من السجن
وهناك فرج حصول المال والجاه بعد الفقر والاستضعاف وهذا كان حاله بعد حظوته عند الملك بعدما كان يسجن بعد تحقق براءته وهذا أشد ما يكون من الاستضعاف
وهناك فرج الظفر بالخصوم الذين ظلموا وبطشوا وهذا كان حاله مع أخوته وقد عفا عنهم وذلك أعظم العز ( وما ازداد عبد بعفو إلا عزا ) وكان هذا حاله مع امرأة العزيز التي ظلمته وسجنته
وهناك فرج اللقيا بالأحباب بعد الفراق الاضطراري والاغتراب وهذا حال يوسف مع أبيه وأخيه وبقية أخوته بعد الصلح
وأحسن القصص عند أهلها ما كان بين أولها وآخرها ارتباط وقد كانت قصة يوسف كذلك فأولها ذكر الرؤيا وآخرها تحقق الرؤيا
ثم الناس يستحسنون ذكر المحن التي تستحيل منحا وقد كان في فعل أخوة يوسف به وظلم امرأة العزيز له ودخوله السجن سببًا في وصوله لملك مصر ! وهذا من أكثر ما يبعث الأمل في النفوس ويبعد عنها التسخط على الأقدار
والناس في مثل هذه القصص يستولي عليهم الحديث الوجداني غير أَن قصة يوسف فيها لفتتات عقلية ظهرت في تأويل يعقوب لرؤيا ابنه ومعرفته براءة الذئب من دم ابنه من نظره في القميص وثبوت براءة يوسف من النظر في القميص من أي مكان قد ( وبهذا ينتفع القضاة ومن يتعامل مع الجنايات ) ثم نظر يوسف في رؤيا السجينين ورؤيا الملك ثم صنيعه مع أخوته
ثم ما كان في رؤيا الملك وما فيها من وجوه التدبير والاقتصاد وأن من أنعم عليه بنعمة فلا يستنزفها ويدخر شيئًا منها لساعة العسرة
ومهما قلبت طرفك في القصص لا تجد قصة اجتمع فيها كل هذا مع التنويه بأعظم معنى وهو توحيد الله عز وجل والاستعصام بالطاعة والعفاف وإن جلب ذلك ضررا دنيويا حاضرا فسبحان منزل القرآن