باب فيمن لم يقدِّر النعمة حق قدرها
باب فيمن لم يقدِّر النعمة حق قدرها
قال الله تعالى : ( فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) )
قال الطبري في تفسيره 8911 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"، والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا.
وهذا تفسير السدي أيضاً وفي هذه الآية وهذا التفسير فائدة عظيمة لمن تدبر فما أكثر النعم التي في أيدينا والتي تنفر منها نفوسنا لمشاهدة معنى قبيح فيها والتركيز عليه بيد أننا لو نظرنا إلى الأمر من كل جانب لوجدنا فيه خيراً قد يطغى على ما نراه من شر
ولهذا ورد في الحديث ( لا يفرك ( يعني يبغض ) مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً أحب منها آخر )
وهذا الأمر ينطبق على المرأة أيضاً فاليوم ما الذي جعل الأفكار المنحرفة تتسلل إلى عقول الشباب والشابات ويتم تخبيبهم على أهليهم سوى تدريبهم بشكل مستمر أن ينظروا إلى أهلهم بهذه الطريقة الكنودية التي تعدد السيئات وتغفل عن الحسنات
ومما يذكر في هذا السياق ما ذكره الزبيري في نسب قريش لما ذكر زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان :" فكان عبد الله بن الحسن ( بن الحسن بن علي بن أبي طالب ) ، وهو أكبر ولدها، يقول: " ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحداً، وما أحببت حب ابنه محمد أخي أحداً ".
فانظر كيف أن هذا الرجل البغيض جداً إلى نفسه خرج منه أحب خلق الله إليه فهذا داخل في عموم قوله عالى ( فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً )
غير أن مدخل إبليس إلى الناس في هذا الباب هو ما وجد في مسلك الكثيرين من أنهم إذا صارت النعمة في أيديهم نسوها وما قدروها وما شكروا الله عليها فالنعم المألوفة عندهم بمنزلة المعدومة
ثم مخالفين للوصية النبوية ينظرون إلى من هم فوقهم في أمر الدنيا لا من هو دونهم وينظرون إلى عيوب القرين بتضخيم دون محاسنه فيتولد عن ذلك تعاسة حاضرة لا علاج لها
ومن مارس الفتوى وجد أن كثيرا من قضايا الطلاق تأتي من قيام هذا المعنى في نفوس القرينين أو أحدهما ثم يقع الندم ويبحثون عن مخارج في الفتوى ويستروحون لمذاهب شيخ الإسلام في الطلاق
فإنك إن وجدت كثيرا من الخاصة يحبون الشيخ لسخائه العلمي وتحريراته فإن كثيراً من العامة يحبون الشيخ لفتاويه في الطلاق ولما كنت على غير مذاهبه يضيق صدري جداً إذا سُئلت في هذه الأمور وأعلم أنهم لن يعدموا من يفتي بمذاهب الشيخ ولن يستروحوا لقولي ثم يلحقني بعدها من الطعن ما يلحق
وما بي تشديد ولا تيسير ولكن البحث العلمي عندي انتهى إلى مخالفة الشيخ ولكن تقنع الناس بهذا ورضي الله عّن علي إذ يقول ما طلق أحد طلاق السنة وندم
وقد راعت الشريعة وجود نفوس كنودة فكان طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه حتى يكون القرار وهو أحوج ما يكون إليها وأعطي فرصة واثنين فإن فرط بذلك فاللائمة عليه لا على اختيارات الفقهاء ولو لم أكن على مذهب الجمهور في إيقاع الطلاق ثلاثاً وطلاق الحائض لرأيت أن يوقع تأديباً للنفوس الكنودة التي لا تقدر النعمة ثم بعد ذلك تبحث المخارج لا أقول كل مطلق كذلك ولا كل امرأة تطلب الطلاق كذلك ولكنهم كثير
واليوم حورب التعدد والزواج المبكر وما عاد هناك جواري وصار زواج المطلقة أو الأرملة مرة أخرى من الأحداث الملفتة للإنتباه وانتشرت الفتن فصار المخرج الوحيد في الغالب هو الزواج الأحادي المتأخر من بكر والذي يقتضيه العقل الطالب للعفة أن ييسر هذا الزواج لأنه صار المخرج الوحيد من اشتداد الفتن ولكن الحاصل هو العكس فقد عسر الزواج تعسيراً شديداً وظنوا أنهم بهذا التعسير يضمنون استمراره فجوزوا بعكس المقصود وكثرت حالات الطلاق جداً وصار من السطحية البحث في إختيارات فقهية لعدم إيقاع الطلاق بل ينبغي علاج النفوس الكنودة وعامة المخالفات الشرعية المؤثرة سلباً على حياتنا ونحن نعرف أن تعسير الزواج داعيه الرئيسي تغاير النساء فيما بينهن وغلبتهن على الأولياء في ذلك ( سواء كانت المخطوبة نفسها أو أمها ومن حولها من نسائها وهذا الغالب ) فعامة الإشتراطات التي يسمعها الخاطب إنما تأتي منهن والرجل مجرد مؤدي في الغالب حتى صار الأمر عادة التخلف عنها شذوذ ومدعاة للسخرية والأمر بدأ هكذا وكثيرون يعرفون هذا غير أنه من المسكوت عنه
وأي إنسان ينظر لحقوقه دون الواجبات عليه ويشيطن المقابل ليصل لهذا المعنى نفسه كنودة وعلى هذا يقوم الطرح النسوي السائد الْيَوْم
وقد يحرم المرء خيراً كثيراً في نفثة كنودية وقد يكون السوء المشاهد في الطرف المقابل سببه سلوك فيك أنت حيث تشاهد حقك دون حقه فيوجب ذلك له من ضيق الصدر ما يوجب فتعاتبه على ذلك وتعذله فتزيد عليه ولو كنت مكانه ما كنت أحسن منه وليس هذا مبرراً لأي سلوك سيّء ولكن قراءة للمشهد من كل الجوانب لنحظى بالعلاج الأكمل
=
=
ومِن هذا الباب وإن كنت كتمتُه زمناً لكراهيتي أن أذكر آثاراً قد يكون لي فيها هوى في تبرير سوءٍ فيّ غير أن الأمر هنا له مناسبته ولا أبرر عرامة خلق فيّ
جاء في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: وقالت امرأة لإبراهيم النخعي: يا أبا عمران " أنتم معشر العلماء أحد الناس وألوم الناس فقال لها: أما ما ذكرتِ من الحدة فإن العلم معنا، والجهل مع مخالفينا وهم يأبون إلا دفع علمنا بجهلهم فمن ذا يطيق الصبر على هذا، وأما اللوم فأنتم تعلمون تعذر الدرهم الحلال وإنا لا نبتغي الدرهم إلا حلالاً فإذا صار إلينا لَم نخرجه إلا في وجهه الذي لا بد منه.
وقال الخطيب في الجامع 423 - أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي، أنا علي بن عبد العزيز البرذعي، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوماً يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا ويتركوك قال: «هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقِي».