عفَّت كما ينبغي فرزقها الله نبيًّا!
عفَّت كما ينبغي فرزقها الله نبيًّا!
عامة البشر ينشدون السعادة وانشراح الصدر وراحة البال ويعلمون أن من سبل تحصيل ذلك سد الحاجات البدنية من مأكل ومشرب ومنكح، ومن هنا تأتي الحاجة إلى المال الذي يعين في جلب هذه الأمور.
فالمال وسيلة لوسيلة أخرى، ثم السعادة الحقيقية لا تكون إلا من خلال معرفة الغاية من خلقك وتواصلك مع خالقك والسير في طاعته والرغبة في ثوابه والرهبة من عذابه والعمل على ذلك.
لذا لا يجوز أن يضحى بالغاية من أجل تحصيل الوسائل، فمثلًا يأكل المرء الحرام فيظلم أو يسرق أو يرتشي لتحصيل المال، وما المال إلا وسيلة إلى مأكل ومشرب ومنكح ومسكن، وهذه كلها وسائل للسعادة والاستقرار النفسي، والسعادة ركنها الأعظم إدراك الغاية وإلا كانت غرورًا.
ولكن الشيطان له حيلة، فيوهم الناس أن الوسيلة غاية وأن المال مقصود لذاته، ثم يأمر الناس بالبخل ويعدهم الفقر، ووعود رب العالمين بعكس ذاك {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب}.
والرزق ليس فقط في المال، بل البركة في الغايات، فيكون مع الإنسان من انشراح الصدر على قلة المال ما لا يجده مَن ماله كثير، وهذا من أعظم الرزق الخفي الذي لا يدركه كثيرون.
وكلما صدَّقت وعود الرحمن وكذَّبت وعود الشيطان كان نصيبك من هذا الرزق أعظم.
تأمَّل معي هذه الآيات مستحضرًا ما شرحته لك آنفًا: {ولما وَرَدَ ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تَذُودانِ قال ما خطبكما قالتا لا نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك لِيَجْزِيَكَ أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقَصَّ عليه القصص قال لا تخف نَجَوْتَ من القوم الظالمين، قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتَيَّ هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثماني حِجَجٍ فإن أتممت عشرًا فمن عندك وما أريد أن أَشُقَّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص]
تأمَّل حال الفتاتين أولًا، ما خالطتا الرجال وابتعدتا حتى ينتهوا، وهذا من الحياء والعفاف.
ثم لما جاءته كانت تمشي على استحياء (ذكر بعض السلف أنها غطت وجهها حياءً منه).
ثم قالت إحداهما لوالدها: استأجره. وهذا معناه أنها تحب القرار في البيت وأن يلي هذا الأمر الرجال، وهذا أيضًا من كمال العفة.
فرزقها الله بمجموع هذا كله الزواج بنبي! ولا شك أن الزواج بنبي يحقق عامة مقاصد الزواج من السكن والعفة والراحة والولد ثم بعد ذلك كله رفعة الدرجات في الآخرة.
واليوم ما أكثر النساء اللواتي يُصدِّقن وعود الشيطان، فتظن أنها بمخالفة سلوكيات الفتاتين ستنال السعادة أو الزواج من فارس الأحلام، فتفكِّر بالتبرج والاختلاط بالرجال والخروج للعمل كما يخرج الرجال، فكثير منهن لا تنال أصل المطلوب، بل ربما ابتُليت بعكسه، وإن نالت شيئًا فلا يتحقق به المقصد الأعلى من الراحة والسكن، وكثيرًا ما يؤول الأمر إلى فراق أو نكد عيش، هذا في الغالب، ولا أقول أن غير المتبرجات لا يصيبهن هذا ولكنه في مثل هذه الحال أكثر وأكثر وأشد.
وربما عفَّت المرأة ولم تجد زوجًا غير أن ما عند الله خير وأبقى، ولكن المرء يسأل الله من فضله في الدنيا والآخرة.