كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

النظرة الضيقة للذنوب وأثرها في سوء التقدير والانحراف الفكري

المصدر
النظرة الضيقة للذنوب وأثرها في سوء التقدير والانحراف الفكري من الأمور الفاشية بين الناس اليوم أنهم يحصرون الذنوب بما يضر الناس (وهذا لأن المسلمين والكفار يتفقون على ذلك) أو بما يلحق العار مجتمعيًّا (وهذا لأن العرف يعتضده). وقد ولَّد هذا في نفوس الكثير تعظيمَ الكفار والنظر إلى بلدانهم بأن فيها (إسلامًا بلا مسلمين) لمجرد وجود شيء من الضبط القانوني (مع التغافل عن انتهاك الأعراض الفاشي فيهم). وتولَّد عن هذا الكلامُ بشكل سلبي عن المسلمين الذين قد يقع منه بعض الذنوب والحديثُ عن أنهم ما نفعهم الإسلام في شيء. وقد وجدت كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ينتقد فيه هذه النظرة الضيقة للذنوب. يقول الشيخ كما في جامع المسائل (المجموعة الرابعة ص٤٣): "واعلم أن كثيرًا من الناس يَسبقُ إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة ونحو ذلك، فيَسْتَعظمُ أن كريمًا يفَعل ذلك، ولا يعلم أن أكثر عُقَلاء بني آدم لا يَسرِقَون بل لا يزنون، حتى في جاهليتهم وكفرهم، فإن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا قبل الإسلام لا يَرْضَون أن يفعلوا مثلَ هذه الأعمال، ولما بايعَ النبي -صلى الله عليه وسلم- هندًا بنتَ عُتبةَ بن ربيعة أمَّ معاوية بيعةَ النساء على أن لا يَسرقن ولا يزنين، قالت: أوَ تَزني الحُرَّةُ؟ فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلّا للإماء. ولهذا قولهم "حُرَّة" تُرادُ به العفيفة، لأن الحرائرَ كن عَفائِفَ. وأما اللواط فأكثر الأمم لم يكن يَعرفُه، ولم يكن هذا يُعرَفُ في العرب قطُ. ولكن الذنوب التي هي في باب الضلال في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يدخل في ذلك من البدع التي هي من جنس العُلُوِّ في الأرض والفخر والخُيَلاَء والحسد والكبر والرياء ونحو ذلك، هي في الناس الذين هم متعفِّفُون عن الفواحش. وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات، فإنّ الإخلاص لله والتوكل على الله والمحبة له ورجاء رحمة الله وخوف عذاب الله والصبر على حكم الله والتسليم لأمر الله = كل هذا من الواجبات، وكذلك الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك هو من فروض الكفايات، وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول تفصيلُه في هذا السؤال، حتى يفطن هذا ثم يفتح له الباب". وهذا الكلام من الشيخ يبين لك غلط الحديث عن الكافر الذي أخلاقه حسنة بمجرد امتناعه عن السرقة مثلًا، فإن مثل هذا كان كثير من الجاهليين يمتنعون عنه، مع كرم كثير منهم وبعدهم عن البخل، ومع بعدهم عن اللواطة والزنا.. ومع ذلك قيل فيهم {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا}، فكيف يُقال اليوم عمن يشرعنون الفواحش وفيهم مِن ألوان الكفر والإلحاد أنهم متقدمون وأننا نتمنى أن نكون مثلهم ونجعلهم معيارًا! نعم، علينا إصلاح أحوالنا قدر المستطاع ففي أحوالنا الكثير من النقص، ولكن دون عقدة النقص وجلد الذات. وتأمَّل أن الشيخ يذكر من أعظم الذنوب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثير من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صارت عند الناس ذنوبًا بل يحمدون الساكت أو المداهن وأنه لا يتدخل في شئون الآخرين! فمَن نظر للناس بميزان الوحي استعظم ما يستصغره كثيرون واستصغر ما يستعظمه كثيرون، ولعبة العالمانيين أنهم يحاكمونك لميزان غير ميزان الوحي ثم يعظِّمون الكفار في عينك ويصغِّرونك في نفسك، حتى تحقر نعمة الله عليك بالتوحيد والوحي، وبعدها يسهل عليهم إدخال ما شاءوا عليك.