كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= رابعًا: عند الحديث عن تسامح المسلمين مع أهل الكتاب، والذي اعتبره أحد العلماء من دلائل النبوة فبيَّن في بحثٍ الفوارقَ بين سلوك النبي ﷺ وسلوك الملوك، فبيَّن أن المناسب كان إبادة أهل الكتاب لأنهم كانوا الأخطر على النبي ﷺ لعلمهم بالكتاب وقدرتهم على سرد الشبهات ولكنه أبقاهم بعزة الواثق لعلمه أنه لن يزال من علمائهم من يُسلم ويبيِّن صفته في كتبهم. غير أن الأمر عندنا أخذ منحًى آخر، فصار الثناء على هذا التسامح مقصودًا لذاته تأثُّرا بقيم الدولة الحديثة التي من أُسُسِها أن يكون الدين قيمة هامشية ويكون الدين الحقيقي هو دين الدولة بمعنى تعظيم حدودها وثوابتها وألَّا يُفرَّق بين مواطن ومواطن إلا بالولاء للوطن. فصار المسلم والنصراني عند المناظرة كل واحد منهما يُقدِّم دينه على أنه أقرب لدين الدولة الحديثة التي تُهمِّش العقيدة، ويظن بذلك أنه يأتي بالحجة الفالجة. والواقع أن التسامح في الإسلام هو من باب التفضل لغرض الدعوة أو نفع المسلمين الساعين في الدعوة والذين يعيشون لأجل الدين، لا تعظيمًا لنفس الإنسان أو لدولة لا تجعل رفع الدين من غاياتها، ولا تخفى نتائج الإفراط في هذا الخطاب من الحديث عن الترحم على النصارى وتهنئتهم في أعيادهم. وأيضًا أمر التجميع بين المسلمين صار غاية منشودة عند كثيرين. ومع الأسف صار تسطيح الخلافيات بالتدليس أو الكذب أو التغابي أحد أهم وسائل التجميع، وبعضهم يخاف من التعمق فيها حتى لا يَسقط خطابُه الإعذاري، فحتى لو كان متخصصًا في العقيدة فإنه يؤْثِر التعمق في أبحاث دقيقة بعضها إلى الأغلوطات أقرب على أن يدخل في شرحِ واقعِ الخلافيات بطريقة منصفة ثم الحكم على الأفراد والجماعات بما يستحقون، وصار هناك خلط مشهور بين الحكم على المقالة في نفسها وتحليل سبب الوقوع فيها وبين الحكم على الفرد الواقع فيها، وخلط بين موافقة أهل الباطل بفرع عارض مع مخالفتهم في أصولهم وبين موافقتهم في بعض أصولهم أو الانطلاق منها مما يؤثر على فروع عديدة، كل ذلك لنحظى بالتجميع، فنشأ عن التقاعس الظاهر في هداية المنحرفين ودعوتهم للحق بحجة التجميع (وكان التجميع الأحسن أن يجتمعوا على الحق) ونشأ عن السطحية في عرض الخلاف وتحليله تضاربُ أفكارٍ عند كثير من طلبة العلم إذا رأوا تشديد السلف وتسطيح المعاصرين، ما جعل عددًا منهم يؤثرون البعد عن البحث العلمي والاشتغال بالأدب أو ملح العلم وغيرها من الآثار. فكان ينبغي أن نشرح منذ البداية أن الاجتماع المحمود في الشرع ليس هو ما تتكلم عنه الدولة الحديثة أو المشاريع الحركية، فشرط هذا الاجتماع ألا يضر دين المرء، وكان علينا أن نوضِّح أن القلة على صفاء خير من الكثرة على غبش لأنَّ مآلها إلى فرقة وتضاد، بل التجميعي في العادة يكون من أكثر الناس منافرةً لمن يخالفه في مسالكه في التجميع فينتهي بهم الأمر إلى الوقوع فيما هربوا منه. والخلاصة أننا غفلنا عن المنظومات الخطيرة التي كانت تُسيِّر تفكير الكثير منا من حيث لا يشعر، وظن بعضنا أنه بتنازله عن بعض ثوابت الدين ولو مؤقتًا وإبراز شيء آخر سينصر الدين، والواقع أنه فتحَ ثغرةً وهو لا يشعر.