دليل الفطرة عند المتقدمين.
دليل الفطرة عند المتقدمين.
قال الحكيم الترمذي :
من شواهد الربوبية والوحدانية لله أنك ترى هذا الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم ، راشدهم وضالهم
قد أجمعوا جميعا على اسمه تبارك وتعالى فكلهم يقر بالله تعالى
ويشير إلى السماء أنه - سبحانه - فوقها
ولم يجمعوا على غيره ....
[ كتاب العالم والمتعلم ص 25 ]
أقول : دليل الفطرة من أشهر الأدلة المستخدمة في مناقشة الملاحدة وقد صيغ صياغات حديثة عديدة من أهمها ما ألف البروفسور باريت كتابه المشهور: مؤمنون بولادة - علم الإيمان الديني لدى الأطفال – (Born Believers: The Science of Children's Religious Belief)
وهنا الحكيم الترمذي المتوفى ٣٤٠ للهجرة يشير إلى هذا الأمر بل ويشير إلى فطرية علو الله عز وجل على خلقه ( وقد قامت بعض الدور بتحريف كلامه لما طبعت الكتاب ونبه عليه المحقق عندي )
ولهذا بعض المعطلة في زماننا يضعف دليل الفطرة هروبا من دلالتها على ما يخالف عقيدته وهكذا يخالفون ظواهر النصوص والفطرة من أجل سفسطات بعض الفلاسفة والله المستعان
والحكيم الترمذي أخذ الناس عليه مآخذ مبسوطة من تراجمه ومن نظر في تصانيفه وجد عيوبا ظاهرة مثل ذكر الأحاديث الموضوعة وقوله ببعض المحدثات كتلك الأدعية الطويلة التي يذكرها ويدعو للالتزام بها ومن تصانيفه بدأ أمر ( صدق الله العظيم ) بعد القراءة ومن غرائبه أنه يدعو للتيمم مع كل وضوء احتياطا وهذا من أعجب العجب مما لم يتابعه عليه أحد ولا سبقه إليه أحد
وله كلام كثير حسن في أعمال القلوب والآداب والوعظ والتعليق على الأحاديث بفوائد مستحسنة مع معرفة بالطب المنتشر آنذاك وكان بعيدا عن التعطيل بل له كتاب في الرد على المعطلة هو على سَنَن كتاب السنة لعبد الله بن أحمد كأنه مستخرج على أخبار الصفات فيه وتأمل استدلال الحكيم على الملاحدة والزنادقة مما يدلك على أن الباب ليس مختصا بأهل الكلام كما يزعمه بعض الناس ممن ضاق اطلاعه وله كلام حسن في تثبيت أمر البعث
قال الحكيم الترمذي وهو يعدد دلائل البعث والحساب يوم القيامة :
ومن ذلك أنك ترى في الدنيا :
مظلوماً لم ينتصف من ظالمه ، وظالم لم يعاقب بظلمه
وعامل خير عاش في جهد وبلاء وشدة وأذى
وعامل شر عاش في نعمة وخصب وروح وراحة
فلو لم يكن دار سواها لكان لا يكون للظالم عقاب ولا للمظلوم إنصاف ولا للخير منفعة ولا للشر مضرة
فإذا لم يكن في هذه الدار فلا بد أن يكون في دار سواها
بذلك شهدت العقول
والملك العدل الغني عن الظلم لا يظلم ولا يجور ...
وإن الذي قدر على أن يخلق الدنيا لقادر على خلق الآخرة ، وليس بأحدهما أعجب من الآخر...
فسبحان الذي أوضح دلالته للمتفكرين ، وأبدى شواهده للناظرين ، وبين آيته للغافلين
وقطع عذر المعاندين وأدحض حجج الجاحدين وأعمى أبصار الغافلين
فتبارك الله أحسن الخالقين والحمد لله ملك يوم الدين
وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله رب العالمين ...
[ كتاب العالم والمتعلم ص 29 ]