كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= قال ابن تيمية -رحمه الله- في رده على السبكي في مسألة تعليق الطلاق (2/837): "وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة وأصحابه طعناً مشهوراً امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئاً فلا ذكر لهم في الصحيحين والسنن". وعليه لا يصح أن يدعى الإجماع على التعديل، فالأقوال لا تموت بموت أصحابها كما هو اختيار الشيخ وعامة العلماء المحققين، كما أن التبديع لمرجئة الفقهاء الذي نقله ابن تيمية وابن عبد البر هو ضمن الجرح ونقلوه إجماعاً. فإن قيل: لماذا لا يروي أصحاب الكتب الستة عن أبي حنيفة وصاحبيه وإن رأوهم مرجئة ويروون لأبي معاوية الضرير وهو مرجيء أيضاً؟ يقول ابن عبد البر: «وهذا مما عيب به أبو حنيفة، وهو أكبر عيوبه وأشد ذنوبه عند أهل الحديث الناقلين لمثالبه باعتراضه الآثار الصحاح ورده لها برأيه، وأما الإرجاء المنسوب إليه فقد كان غيره فيه أدخل وبه أقول لم يشتغل أهل الحديث من نقل مثالبه ورواية سقطاته مثل ما اشتغلوا به من مثالب أبي حنيفة والعلة في ذلك ما ذكرت لك لا غير، وذلك ما وجدوا له من ترك السنن وردها برأيه أعني السنن المنقولة بأخبار العدول الآحاد الثقات والله المستعان»[التمهيد] وابن عبد البر مدافع محب عن أبي حنيفة، ولكنه يحلل موقف المحدثين القدامى وقد أحسن في التحليل. الثالثة: أن البخاري ومسلماً اللذين تكثّر بهما الكاتب موقفهما سلبي من إمام أهل الرأي. فالبخاري ذكره في الضعفاء وقال: "النعمان بن ثابت أبو حنيفة الكوفي، مات سنة خمسين ومائة، حدثنا نعيم بن حماد، ثنا يحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ سمعنا الثوري يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين. حدثنا نعيم ثنا الفزاري، قال: كنت عند الثوري، فنُعي أبو حنيفة، فقال: الحمد لله، وسجد، قال: كان ينقض الإسلام عروة عروة. وقال يعني الثوري: ما ولد في الإسلام مولود أشأم منه. حدثنا صاحب لنا عن حمدويه قال: قلت لمحمد بن مسلمة: ما لرأي النعمان دخل البلدان كلها إلا المدينة؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وهو دجال من الدجاجلة". هذه كل ترجمة الرجل عند الإمام البخاري، وقد ولد البخاري بعد وفاته فهو يدرس حالة تاريخية، فلو وضعنا البخاري في كفة ووضعنا شيخ الإسلام في كفة لاجتمع فيهما أنهما ولدا بعد وفاة أبي حنيفة غير أن البخاري أقرب زمناً وألصق تخصصاً بهذا الباب، وقد وافقه على كلامه كثيرون كما ذكر شيخ الإسلام نفسه أن هذا موقف أصحاب الكتب الستة بل أكثر أهل الحديث. وأما الإمام مسلم فيقول في التمييز: "وانما أدخل هذا الحرف في رواية هذا الحديث شرذمة زيادة في الحرف مثل ضرب النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان ومن يجاري الارجاء نحوهما وانما أرادوا بذلك تصويبا". هنا يتهم أبا حنيفة أنه زاد لفظة في الحديث ليست فيه لتقوية مذهب الإرجاء. فهل من الديانة في شيء إخفاء كل هذا عن الناس وإيهامهم خلاف الواقع؟ والعجيب أن يُذكر ابن المنذر فيمن يعظم الرجل ويعتد به، ومن قرأ كتب ابن المنذر وجده على طريقة أهل الحديث القدامى، حيث لا يذكرون أقوال الرجل إلا للرد عليه غالباً إذا كان منفرداً ثم تجد في ألفاظهم غلظة وجفوة لاعتبار الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي. قال ابن المنذر في الإشراف: "وحم عن النعمان -يعني أبا حنيفة- أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته فهو جائز ماض، وهو إثم لا يحل له ما صنع، ولا يجبر على رد ما أخذ. قال أبو بكر: وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلاف ما أجمع عليه عوام أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لامرئ: اجهد نفسك في طلب الخطأ، ما وجد أمراً أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شيء، ثم يقابله مقابل بالخلاف نصاً، بل فيقول: يجوز ذلك ولا يجبر على رد ما أخذ". تأمل غلظته عليه جيداً وقارنها مع قوله هنا أيضاً: قال ابن المنذر في الأوسط (4/6): "وخالف النعمان كل ما ذكرناه، فحكى يعقوب عنه في الجامع الصغير أنه قال: التثويب الذي يثوب الناس في صبح الفجر بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، وكان كره التثويب في العشاء وفي سائر الصلوات. قال أبو بكر: فخالف ما قد ثبتت به الأخبار، عن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال، وأبي محذورة، ثم جاء عن ابن عمر، وأنس بن مالك، وما عليه أهل الحرمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، يتوارثونه قرنا عن قرن يعملون به في كل زمان ظاهرا في أذان الفجر في كل يوم، ثم لم يرض خلافه ما ذكرناه حتى استحسن بدعة محدثة لم ترو عن أحد من مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمل به على عهد أحد من أصحابه". ثم تكلم ابن المنذر بكلام حسن في أن كل بدعة ضلالة ولا يوجد في الدين بدعة حسنة.