=
=
مع أن كل فريق يقر بأن من السيئات ما قد يحبط العمل أو ينقص أجره، ولكنك إن جئت تناقش في شيء هل هو كفر أم لا قفزوا إلى الحديث عن حسنات بعض الواقعين في الأمر، وهذا عكس للبحث. ووجود غلاة يحبطون الحسنات العظيمة بالزلات أو ما يتوهمون أنه زلات لا يستدعي أن نقع بشبيه الإرجاء، ونهون من شأن ضلالات عظم السلف شأنها جداً بحجة أن فلاناً المشهور وقع بها.
وتصوير المتأخر الذي هو معترف بأنه عالة على المتقدمين وكأنه هو الذي ابتدأ العلم، وغاية ما عنده من رواية أنه للبركة ومن دراية أنه على منوال المتقدمين وفي نصرة أقوالهم، وأما المحدثات فهذه أعاذنا الله منها، والمتأخر إنما ينبل بكثرة نقده للمحدثات في زمنه، والانتصار للمتقدمين هذا أساس نبل العالم المتأخر، وكلما كان أصبر على مخالفة أهل زمانه في نصرة صواب المتقدمين كلما زاد نبله، فإن خالفت عقيدته عقيدة الأوائل في أعظم المطالب نقص من قدره بحسب هذه المخالفة.
وقد يفتح الله على العالم المتأخر باستدلالات ووجوه في نقض كلام أهل الباطل، وفهم كلام السلف مما يكون توكيداً لكلام المتقدمين، وإن لم يوجد في كلامهم بحروفه، ولكنه مستفاد من أصولهم، وهذا أيضاً من عوامل النبل فالأمر بالكيف لا الكم، فإن اجتمعا كان الأمر جليلاً.
ولكن هذا إنما يحتاج إليه أعظم الحاجة في نصرة العقيدة أو أصول الدين، وهذا إنما يكون لأهل الحديث لا لأصحاب الفرق الكلامية.
وقال اللخمي أيضاً في تقويم اللسان: "حدثني الفقيه الأجل المحدث الأفضل أبو بكر بن العربي، رحمه الله، قال: كنت أقرأ (إصلاح المنطق) ببغداد على أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي، فتجاذبنا طرفا من الحديث، فقال لي: كنت أقرأ أول تعليمي (الخطب) لابن نباتة ببغداذ على أبي عبد الله ابن الوني، اللغوي، النحوي، الإمام في الفرائض، فوصلت إلى قوله: (وتذكارهم يواصل مستبل العبرات)، وقرأته بخفض التاء، فرد علي وقال: (تذكارهم، بفتحها، لأنه ليس في كلام العرب تفعال إلا التلقاء والتبيان)، وذكر أسماء قلائل. فلما وصلت إلى (معرة النعمان) واجتمعت مع أبي العلاء، وقرأت عليه (الخطب)، فوصلت إلى هذا الموضع، ذكرت له ما جرى بيني وبين ابن الوني، فقال لي: اكتب ما أملي عليك، فأملى علي:
الأشياء التي جاءت على تفعال على ضربين: مصادر وأسماء، فأما المصادر: فالتلقاء والتبيان، وهما في القرآن.
والأسماء:
رجل تنبال: أي قصير لئيم.
ورجل تيتاء : أي عذيوط، وهو الذي إذا جامع أحدث.
والتنضال: من المناضلة.
وتهواء من الليل: أي قطعة.
وناقة تضراب: أي قريبة العهد بضرب الفحل".
هنا التبريزي يتتلمذ في اللغة على أبي العلاء المعري الرجل المتهم في دينه، واختلف الناس في أمره، ومال الذهبي إلى كونه كان متحيراً متشككاً مضطرباً وهذا الأقرب في حاله، هذه الفائدة لن يكدرها ثبوت زندقة أبي العلاء أو نفيها لأنها وفقاً لأصول علمية، ويمكن مراجعة عموم المعاجم للتأكد من مقالته ومراجعة كلام الآخرين، وهل وافقوه أم خالفوه، وليس في فائدته مخالفة لقطعي أو معارضة لثابت، تدبر هذا.