طالب علم يستدل برواية كذاب في محل نزاع..
طالب علم يستدل برواية كذاب في محل نزاع..
مما يميز طالب العلم الجاد أنه يجمع المصادر كلها في باب الرواية، ونحن معاشر أهل السنة نعيب على الرافضة استدلالهم بالبواطيل في فضائل أهل البيت مع رفضهم الصحيح المستفيض في فضائل الصحابة.
ونعيب على غلاة الصوفية كثرة استدلالهم بالواهيات في باب التوسل وشد الرحال.
ونعيب على المعطلة تمسُّكهم برواية حنبل على سبيل المثال التي يزعمون أن فيها تفويضًا وتركهم الروايات الكثيرة عن حنبل وغيره في الإثبات عن الإمام أحمد.
قال الخطيب البغدادي في تاريخه: "أخبرنا الصيمري، أخبرنا عمر بن إبراهيم، حدثنا مكرم بن أحمد، حدثنا أحمد بن عطية قال: سمعت يحيى بن معين يقول: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركت الناس".
هذه الرواية رأيت بعض طلبة العلم يذكرها، وكنت دائمًا أقول للناس بغض النظر عن الموقف النهائي في المسألة ينبغي للإنسان المتدين ألا يستدل برواية مكذوبة وإن لم يوجد لها معارض، فكيف برواية مكذوبة لها معارض؟
أحمد بن عطية هذا كذاب معروف.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال: "555 - أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحمانى.
عن عمه جبارة بن المغلس، وعن عفان وأبي نعيم.
روى عنه أبو علي بن الصواف والجعابي، كذاب وضاع فلذا يدلسه بعضهم فيقول: حدثنا أحمد بن عطية.
وبعضهم أحمد بن الصلت.
قال ابن عدي: رأيته سنة سبع وتسعين، فقدرت أن له ستين سنة أو أكثر.
ومات سنة ثمان وثلاثمائة.
ثم قال ابن عدي: ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه.
وقال ابن قانع: ليس بثقة.
وقال ابن أبي الفوارس: كان يضع الحديث.
وقال ابن حبان: راودني أصحابنا على أن أذهب إليه، فأسمع منه، فأخذت جزء الانتخب منه، فرأيته حدث عن يحيى بن سليمان بن نضلة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً: رد دانق من حرام أفضل عند الله من سبعين حجة مبرورة".
وقال أبو القاسم الأزهري سئل أبو الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ، وأنا أسمع، عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبي حنيفة. فقال: موضوع، كله كذب، وضعه أحمد بن المغلس الحماني، قرابة جبارة، وكان في الشرقية. «تاريخ بغداد» 4 209.
ومعنى كلام الدارقطني هذا أن حتى الروايات التي ليس فيها ذكر ابن المغلس أو ابن عطية أو ابن الصلت هي مِن وضعه أخذها مكرم ورواها وكان يدلس عليه فيغير اسمه أحيانًا حتى لا يُعرف.
وفي كتاب تاريخ بغداد نفسه هذه الرواية: "أخبرنا العتيقي، حدثنا تمام بن محمد بن عبد الله الأذني- بدمشق- أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي قال: سمعت نصر بن محمد البغدادي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذابا وكان جهميا، وكان أبو حنيفة جهميا ولم يكن كذابا".
وهذه رواية ليس فيها كذاب بل إسنادها ثقات، وليس في السند أحد ينظر في حاله إلا نصر بن محمد قال المعلمي في التنكيل: "لا توجد في (تاريخ بغداد) ولا غيره ترجمة باسم «نصر بن محمد البغدادي» وإعراض الأستاذ عن أن يشير إلى هذا فيقول «مجهول» أو نحوه إلى الطريق التي سلكها بدل أنه قد عرف أن لفظ «نصر» تحريف وأن الصواب «مضر» ولمضر بن محمد البغدادي ترجمة في (تاريخ بغداد) ج 13 ص 261 وفيها أنه يروي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وأن الدارقطني قال فيه: «ثقة»".
فهو ثقة وسواء وافقنا يحيى أو خالفناه لا بد من جمع الباب وحكاية رأيه وفقًا للأمانة العلمية.
وقال عبد الله بن أحمد في السنة 402 - حدثني أبو الفضل ثنا يحيى بن معين، قال «كان أبو حنيفة مرجئا وكان من الدعاة ولم يكن في الحديث بشيء وصاحبه أبو يوسف ليس به بأس».
أقول: أبو الفضل الخراساني هو حاتم بن الليث الجوهري وهو ثقة ثبت فاضل ولو كان ضعيفًا لكان حاله أحسن من حال الوضاع، وقد كان يحيى بن معين يفضل فقه أبي حنيفة على فقه بعض متأخري أهل الحديث بالنسبة له، ولا يفضله على كل أهل الحديث، ولم يكن يحيى في الفقه مثل أحمد والشافعي.
وما قيل في يحيى يقال في وكيع بن الجراح الذي ثبت عنه ما يدل على أنه ما كان حنفيًّا، وقد جمع أدلة ذلك عبد الرحمن الفريوائي في مقدمة كتاب الزهد لوكيع، وأما يحيى القطان فتقدم الكلام عليه.