كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

آفة العصر: توسيع باب الإعذار وتضييق باب العقوبة بالعاطفة...

المصدر
آفة العصر: توسيع باب الإعذار وتضييق باب العقوبة بالعاطفة... زماننا فيه آفة مركزية الإنسان وهذه الآفة لها مظاهر عديدة منها ما يناقض المعلوم من الدين بالاضطرار ومنها ما هو خفي يخفى على كثير من أهل الإيمان حتى يظنونه من الدين وقد ألقت هذه الآفة بظلها على كل شيء حتى صار أهل الأديان يناظر بعضهم بعضا بأصول الإنسانوية فتجد النصراني ينكر على المسلم أمورًا في دينه تناقض مركزية الإنسان وتجعل حق الله فوق حقه كالقول بحد الردة مثلا ويقابلهم من المسلمين من يرد عليهم وربما زاد بعضهم اعتبار الأصول الإنسانوية معتبرة وصار يحاكم إليها الكتاب المقدس عند النصارى فيخرج من مجرد الالزام للمخالفين إلى الاعتقاد بالأصل الفاسد وهذا ينطبق على من يحاور الرافضة أيضا وأيضا كثير من الناس صار يقيم الدين بحسب ما يعطيه للإنسان من مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية ويبتعد كل البعد عن أعظم ما جاءت به الرسل وهو تعريف الخلق بالخالق وتوحيده وعبادته بل ربما صدر منهم كلمات فيها استهزاء بهذا القدر من الدين ويعظمون عليه كل ما فيه مدخل لحقوق الناس لهذا لو قيل لهم تارك الصلاة أو ساب الدين أشد من المتحرش أو المغتصب فإن ذلك يشق عليهم بل ربما عده بعضهم شبهة على الدين تستوجب جوابا وما ذاك إلا لأنهم قرأوا بنفس مركزية الإنسان فجعلوا غاية ما في الأديان تحقيق مصالح مادية حاضرة للبشر ولا شك أن في الدين كل مصلحة وخير ولكن لا يقف الأمر على هذه المصالح بل هي ليست بشيء إن لم توصلك لله عز وجل وهذا معنى قول الشاعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل . وتلك كلمة استحسنها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ومن مظاهر مركزية الإنسان توسيع باب العذر لكل مبطل لا يؤذي الناس في دنياهم مهما كان قوله مناقضا للفطرة وما جاءت به الرسل ، وتعظيم الانسان للبشر إلى حد جعل ذلك أعظم ما يدخل الجنة لا توحيد الله ولكي تفهم الأمر على وجهه اعتبر هذا المثال وتدبره جيدا ورد في عدد من المدونات العقدية القديمة قولهم : ولا نشهد على أحد من القبلة بجنة ولا نار . ثم يقيدون بمن شهد له الله ورسوله كالصحابة المبشرين هذا النص بشطريه دخل عليه تعديلات انفرد بها أهل زماننا أما قوله ( لا نشهد على أحد من أهل القبلة بجنة ) فتم التوسع بالشهادة بالجنة وتزكية الباطن خصوصا إذا كان الإنسان ممن يفعل الخير الناس أو كان مشهورا وينزلون حديث ( أنتم شهداء الله في أرضه ) مع أن الحديث لو أخذناه كاملا لشهدنا على بعض الناس بالنار بثناء الناس عليهم سوءا ولكن يؤخذ من الحديث الجانب الأخف وقد ورد في الحديث أن أول من تسعر بهم النار مجاهد ومتصدق وعالم اشتهروا في الدنيا بالصلاح وقيل فيهم المدح وبواطنهم فاسدة وورد في الحديث أن الناس يتخذون رؤوسا مضلين يضلون الناس في آخر الزمان فشهادة الناس في آخر الزمان لا تساوي شهادة الصحابة وقد رأيت بعضهم إذا ذكر له أحوال بعض أصحاب البدع المغلظة يتصنع الورع وأنه لا يطعن في نياتهم فقلت له : النيات عند الله وأنت لا تطعن بنياتهم ورعا ولكنك لا تقف حتى تزكي بواطنهم بأعيانهم والورع التوقف في هذا اذ لا يطلع عليه إلا الله وقد يستدل عليه بقرائن ظنية غير أن من يسيء الظن قد يستدل بقرائن أيضا بل ووصل الأمر أن يشهد لهم بالجنة ثم يفرضون مسألة هل سيتأخرون في دخول الجنة بسبب بدعهم أم لا يتأخرون ويأتي من يكشف هذه الشبهة ويرد على القائلين بتأخرهم وهذه حال عجيبة ما رأيتها في أهل الحديث إلا في زماننا ! =