سورة العلق مفتاح العلم السماوي.
سورة العلق مفتاح العلم السماوي.
أول آيات لقنها الملك الكريم جِبْرِيل عليه السلام لنبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه آيات سورة العلق
( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) الآيات..
وحق لنا أن نتفكر في الحكمة مِن كون هذه الآيات هي أول ما طرق سمع النبي الكريم من العلم السماوي (الوحي)
نبينا الكريم كان نافرًا من أحوال الجاهليين وعبادتهم للأصنام ولكنه ما كان يحاججهم في ذلك مع أَن فطرته نافرة أشد النفرة مما هُم عليه لهذا اختار التحنث في حراء
فجاء الوحي ليعضد هذه الفطرة بالبراهين ويعلم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يبطِل مقالة المشركين ويستنقذ الناس من هذا البلاء
وفي هذا عبرة لكثير من الطيبين الذين يجدون في أنفسهم حبًا للخير وأهله ونفرة من المنكرات ولكنهم لا يقوون على محاججة دُعاة الشهوات والشبهات فهؤلاء في عكوفهم على تعلُّم الوحي والعمل به شفاء لما في صدورهم.
أساس ضلال أهل الإشراك من تسويَتهم غير الله بالله في استحقاق العبادة وإنكارهم البعث فجاءت الآيات في سورة العلق منبهة لنقض الأصول التي بني عليها قولهم
ففي قوله (خلق الإنسان من علق) تنبيه على مبدأ الخلق وأنك وُلدت من أبوين كلاهما مفتقر للآخر فدل على أَن هناك مَن أوجدهما معًا لتحقيق غاية؛ ففي الزوجية والتكامل في المخلوقات دلالة على وحدانية الخالق وحكمته ثم أنت افتقرت لمن يلدك ومن ولدك افتقر لمن يلده وهكذا يتسلسل الأمر ولا يمكن أَن يمضي إلى ما لا بداية فلا بد أن نصل إلى الغني الذي لا يفتقر إلى أحد ولم يلد ولم يولد وهذا يسمى برهان: [امتناع تسلسل الفاعلين أو المؤثرات].
فلما آمنا بأن الخالق الغني واحد وعلمنا أن الأصنام وغيرها مصنوعة مفتقرة فهو وحده المستحق للعبادة ودائما في القرآن ينبَّه على إبطال شرك الألوهية بإثبات الأصل الذي قام عليه استحقاق الله وحده للعبادة ألا وهو أنه سبحانه الخالق الأول الغني وحده سبحانه وأنه ليس شيء من المعبودات هذه صفته (أفمَن يخلُق كمن لا يخلُق)
ثم قال تعالى: ( اقرأ وربك الأكرم الذي علَّم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلم )
وفي هذا إثبات البعث عن طريق إثبات الغائية فالإنسان له وعي خاص يمتاز به عن العجماوات وكل إنكار للبعث ينحط به إلى منزلتها ويُظهِر هذه الخصائص على أنها لا حكمة لها وقد ثبت أن الله خالق عليم قدير فحمْل أفعاله على غير الحكمة سفه وتمادي في ذلك.
فهذا يثبت أصلا (التوحيد والمعاد) واللذان فيهما الأجوبة على اثنين من الأسئلة الوجودية من أين جئنا، وما هو مصيرنا؟
يصير الدين ضرورة وتتهيأ النفوس تمام التهيؤ لعبادة الله تبارك وتعالى كما يريد تشوُّفًا لثوابه عند المعاد فسبحان الله كيف هذه الآيات على وجازتها حوَت التنبيه على هذه المطالب ومهدت لأمر الدين في النفوس فكانت مفتاح العلم السماوي بحق والتدبر في مثل هذا فحسب يكفي للبرهنة على النبوة.
وهذه الآيات الخمس نزلت مفصولة عما بعدها وفي هذا التنبيه على ضرورة التأصيل للمقالة الصحيحة بأدلتها القائمة قبل النظر في كلام المخالفين واعتراضاتهم واليوم الكثير من الشباب يعكسون الأمر وصار ذلك باب شر.
ثم الآيات الأخرى في السورة فيها التنبيه على أن الغفلة عن هذين الأصلين تؤدي إلى الطغيان وهو مجاوزة الحد ونسيان أنه عبد وهكذا كل مذاهب العالمانيين والإنسانويين هي طغيان وتأليه للإنسان ( كلا إن الإنسان ليطغى ) ( أن رآه استغنى ) غافلًا عن افتقاره في أصل وجوده وعدم خلوده ( إنَّ إلى ربك الرجعى ) وفي ذلك السلوان لأهل الإيمان
ثم التنبيه على الصراع مع أهل الباطل وأن منهم من سيهتدي بعد محاربته ( أرأيت إن كان على الهدى أو أمَر بالتقوى )
ثم أخيرًا ثمرة ( اقرأ ) ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ) العلم ثم العمل وفي ذكر السجود هنا تنبيه على أن السلامة مِن سفع الزبانية على النواصي وضع هذه النواصي تعبُّدًا لله، وفيه خطورة موضع تارك الصلاة.