جائحة كورونا والمشاريع الإصلاحية (خاطرة تقريبية)
جائحة كورونا والمشاريع الإصلاحية (خاطرة تقريبية)
تصور معي هذا المثال : زيد من الناس أصيب بفيروس كورونا وما تلقى الرعاية الصحية اللازمة فتوفي
إذا أردنا أن نبحث في سبب الحادثة سنجد لها عدة الأسباب
السبب الأول : أنه لم يلتزم بالاجراءات الوقائية
السبب الثاني : أن الحكومة لم توفر الخدمة الصحية اللازمة
السبب الثالث : أنه عنده مشاكل في الجهاز التنفسي من قبل الإصابة بالفيروس
سيستروح كثيرون للكلام عن السبب الثاني وهذا سبب مؤثر حقاً ولكنه ليس السبب الوحيد كما ترى بل لولا السبب الأول لما أثر السبب الثاني هذا التأثير
لو تكلم بعض الناس عن السبب الأول ربما سيقوم عليهم آخرون ويظنون أنهم بهذا الكلام يبرئون الحكومة من إهمالها وبهذه الحدية يرهبون كل من يريد عن السبب الأول ويرون فيه جلداً للضحية
وبسطحية شديدة يحصرون الأمر في السبب الثاني ويتهمون كل من يريد الإشارة للسبب الأول بأنه يحاول تبرئة الحكومة الفاسدة المهملة وحتى لو تكلم عن الحكومة الفاسدة المهملة فإنهم من الممكن أن يستمروا بهذا الإرهاب
ولو اقترح إنسان على من عنده مال أن يقوم بفتح مستشفى خيري يرعى الناس فعارضه بأن هذا اختصاص الحكومة فيقول العمل الصالح ليس مختصاً بأحد ونحن لا ننتظر منهم خيراً وننتظر منك
فربما تجد من يتحسس من هذا ويرسخ لداء السلبية بحجة فساد السلطة فأنت الآن أعطيت حلاً عملياً لمعالجة مشكلة السبب الثاني وهذا لا ينفي وجود حلول أخرى ولكن هذا من صميم الإسلام أيضاً
فنحن عندنا الزكاة تؤديها سواء وليها الإمام أم لم يلها والوالي يلي الأموال الظاهرة وأما الأموال الباطنة ( الذهب والفضة وعروض التجارة على الصحيح ) لا يليها الإمام حتى في دولة الخلافة بل الناس هم من يخرجونها ويوصلونها للفقراء بأنفسهم أو وكلائهم
لكن الكثير من المشاريع الإصلاحية متأثرة بمفهوم الدولة الحديثة فدخل عليهم ما دخل
وهناك من سيترك الحديث عن هذه الأسباب كلها ويسأل : هل مات مسلماً موحداً ؟ هل قنط من روح الله لما أصابته المصيبة أم صبر واحتسب ؟ وهذا أفقه الجميع ولكن كثيرين يرونه درويشاً ويرون أن مثل طرحه هذا يجعل الناس يرضون بالبلاء وهذا غير صحيح فالمرء لا مفر له في هذه الدنيا من البلاء ومن عظيم محاسن الدين والعقيدة الصحيحة أنها تجعل المرء يواجه هذه الأمور بثبات وسلامة قلب
هذا مجرد مثال تقريبي وهو ينطبق على كل شيء في حياتنا وعموم المشاكل التي نواجهها إذا فقدنا العقيدة فسنكون ضعفاء جداً أمام الابتلاءات التي لا مفر منها في أي بيئة إذ لا يوجد فردوس أرضي تام مثل جنة الخلد ولهذا كان تدريس العقيدة بكافة درجاتها مهماً بل لو لم نجد نفعاً لذلك في علاقتنا مع الله وصلاتنا وذكرنا له لكان النفع الأخروي وحده منسياً لنا كل ضرر نتوهمه من دراسة العقيدة غير أَن عددًا من غلاة الحركيين لما كان مفهوم المصلحة والخير عنده يتقاطع مع مفهوم العالمانيين إلى حد كبير تفننوا في التنفير من العلم فالحلال والحرام قشور والعقيدة تفرق ولا يبقى من الدين إلا ما يريدون سواء من العقيدة أو الحلال والحرام
بعض الناس تناسوا هذا المعنى في خضم حربهم على الاستبداد ونحن معهم في محاربة كل باطل بالوسائل الشرعية ولكن هذا لا يسوغ الاستهانة بالعقيدة أو توهم وجود فردوس أرضي تحت أي نظام
وكذلك لا يسوغ لك حرب الاستبداد إخلاء الناس من مسئولياتهم تجاه أنفسهم ومن حولهم فنعم كما أن هناك كثيرين يضرون أنفسهم بالمعاصي هم يضرون أنفسهم في أمور الدنيا وتنبيههم على غلطهم ووعظهم ليس إشغالاً لهم عن المشروع الكبير بل من لم يستطع إصلاح نفسه بقدر لن يمكنه تغيير غيره
وداء السلبية بحجة فساد السلطة عندي أخطر من المخدرات والفيروسات لأنه حرمنا من صلاح وإصلاح كبيرين جداً لو غاب هذا البلاء تدبر الكلام المذكور أعلاه ونزله على أي مثال يخطر في ذهنك المراد الإيقاظ بأوجز عبارة وأوضحها وإلا فالموضوع يحتمل بسطاً أكبر ، ومن المؤسف أنه من أجل مشاريع موغلة في السطحية والتجريد تهمل بعض علوم السلف وتحارب.