قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل : فهذا الكلام حجة له على إخوانه الجهمية
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل : فهذا الكلام حجة له على إخوانه الجهمية من المعتزلة وأتباعهم نفاة الصفات الذين يقولون إن التوحيد الحق هو قول أهل السلب نفاة الصفات ولا ريب أن فهم قولهم فيه غموض ودقة لأنه قول متناقض فاسد أعظم تناقضا من قول النصارى كما قد بين في موضعه فما يفهمه إلا الذكي الذي مرن ذهنه على تسليم المقدمات التي بها يفسدون ذهنه أو على تصور أقوالهم المتناقضة فإن كان من متابعيهم نقلوه من درجة إلى درجة، كما تفعل القرامطة بنقل المستجيبين لهم من درجة إلى درجة، وكذلك هؤلاء الجهمية النفاة لا يمكنهم أن يخاطبوا ذكيا ولا بليدا بحقيقة قولهم، إن لم يتقدم قبل ذلك منه تسليم لمقدمات وضعوها، تتضمن ألفاظا مجملة، يلبسون بها لعيه الحق بالباطل، فيبقى ما سلمه لهم من المقدمات، مع ما فيه من التلبيس والإبهام، حجة لهم عليه فيما ينازعهم فيه، إلى أن يخرجوه أن تمكنوا من العقل والدين كما تخرج الشعرة من العجين، فإن من درجات دعوتهم الخلع والسلخ وأمثال هذه العبارات.
وقد رأيت كتبهم فرأيتهم يحتجون على طوائف المسلمين الذين فيهم بدعة بما وافقوهم عليه من البدعة، كما احتج ابن سينا على المعتزلة، ونحوهم من نفاة الصفات، بما وافقوه عليه من هذه الأقوال المبتدعات، وإلا فالفطر السليمة تنكر أقوال النفاة، إذ قد توافق على إنكارها الفطر والمعقول، والسمع المنقول، وإنما يخالف بنوع من الشبه الدقيقة، التي هي من أبطل الباطل في الحقيقة.
ولقد حدثني بعض أصحابنا أن بعض الفضلاء، الذين فيهم نوع من التجهم، عاتبه بعض أصحابه على إمساكه عن الانتصار لأقوال النفاة، لما ظهر قول الإثبات في بلدهم، بعد ان كان خفيا واستجاب له الناس بعد أن كان المتكلم به عندهم قد جاء شيئا فريا فقال هذا إذا سمعه الناس قبلوه وتلقوه بالقبول، وظهر لهم أنه الحق الذي جاء به الرسول، ونحن إذا أخذنا الشخص فربيناه وغذيناه ثلاثين سنة ثم أردنا أن ننزل قولنا في حلقه لم ينزل في حلقه إلا بكلفة.
وهو كما قال: فإن الله تعالى نصب على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والنور وبين الباطل والظلام، وجعل فطر عباده مستعدة لإدراك الحقائق ومعرفتها، ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق، لم يكن النظر والاستدلال ولا الخطاب والكلام، كما أنه سبحانه جعل الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها وتربيتها وكما ان في الأبدان قوة تفرق بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل أعظم من ذلك "
أقول : كلام الشيخ هنا غاية في النفاسة وحقًا المعطلة نفاة العلو في كل زمان يشق عليهم التصريح بمذاهبهم بوضوح لشدة منافرتها للفطرة وظواهر النصوص ويعتمدون في معارضة هذين الأصلين العظيمين عقليات ضعيفة معارضة بنظيرها
ومما يدل على هذا ما تجده في بعض الآثار من قولهم ( إنما يدورون على أَن يقولوا ليس في السماء إله ) فدل ذلك على أنهم ما كانوا يصرحون بهذا وإنما يدورون حوله ويصرح به عتاتهم وإنما يبتدئون الناس بمسائل أخف مثل مسألة القرآن ومسألة الرؤية ويزخرفون للناس القول
وهذا نظير ما يحصل في زماننا تجده يكلمك في النزول وفي صفة اليد وواقعه أنه ينكر ما اتفق عليه عامة البشر من العلو وينكر الأفعال الاختيارية لله عز وجل وإنما يثبت المفعولات فقط ويسميها أفعالا
وأنت لو خاطبت أي مؤمن بالخالق ستجد إيمانه بعلو الله على خلقه وأفعاله الاختيارية مساوقا لإيمانه بالخالق إلا الشرذمة التي تأثرت بغلاة الجهمية وهؤلاء أنفسهم تجدهم يصارحون الفطرة في قلوبهم ويبدو منهم الالتفات للسماء عند ذكر الله على غير إرادة منهم ولكنها الفطرة
واعلم رحمني وإياك أَن علو الله على خلقه وكونه يفعل اختيارًا من أظهر المسائل على الإطلاق حتى أنك لتجد اليهودي والنصراني والوثني وحتى عوام الإمامية والزيدية والإباضية ممن لم يدرسوا في حلق الجهمية إذا ذكرت لهم علو الله على خلقه ويتكلم بما شاء متى شاء بكلام مسموع فإنهم يقبلون ذلك ولا ينكرونه وإذا ذكرت لهم مقالات الجهمية ولم تقل لهم من قائلها فإن عامتهم لا يتردد في نسبته للإلحاد أو الكفر أو الهرطقة
ولهذا كان السلف يقولون إنَّا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أَن نحكي كلام الجهمية.
=