على من كان ينكر الفركاح الفزاري تكفير الحنابلة؟
على من كان ينكر الفركاح الفزاري تكفير الحنابلة؟
كتب الأخ الشيخ عبد الله آل حمدان في قناته على التلقرام كتابة عن الفركاح الفزاري المتوفى عام 690 هـ، يذكر فيها إنكاره على الأشاعرة، والوحشة بينه وبين النووي، وحبه لابن تيمية.
بدأها بقوله: "مكانته في المذهب الشافعي
-قال الذهبي: "انتهت إليه رئاسة المذهب في الدنيا".
-قال ابن شاكر الكتبي: "وانتهت إليه رياسة المذهب".
-قال اليافعي: "العلامة شيخ المذهب على الإطلاق في زمانه".
-قال ابن كثير: "العلامة شيخ المذهب على الإطلاق في زمانه".
ثم نقل عدة نقول دون عزوها، وبعد البحث ظهر لي أن مصدرها كتاب ينسب لابن الفركاح الفزاري بعنوان غاية في معرفة الأصول، طبع بتحقيق مجيدة الفهد، وأخرى على نسختين خطيتين عليهما اسم الفزاري، وزعم الأخ خالد السكران في حسابه أن هناك نسخة ثالثة في التيمورية للكتاب لم تعتمدها المحققتان.
المحققة أثبتت نسبة الكتاب له من خلال وجود اسمه على النسختين، ومشابهة أسلوب الكاتب لأسلوبه، بل تقاطع الطريقة في المقدمة مع طريقته في مؤلفات أخرى، وإسناده خبراً عن رجل عاصره الفزاري، وأضيف قرينة من عندي وهي أنه ذكر أربعة مسائل فقهية تتعلق بمسألة القول بخلق القرآن، وهذا يوحي بأن المصنف له سبب بالفقه.
وقد ذكر في مقدمة كتابه هذا أنه يرد على قوم ينتسبون للأئمة بالفقه ويخالفونهم في الاعتقاد، وهذا يوحي أن الكاتب من مذهب يكثر فيه هذا، وأنه كان يؤجل الكلام في الأمر، وهذا يوحي بنوع من الضغوط مع دواعٍ للكتابة، وهذا ظرف يناسب إنساناً شافعياً بين أشاعرة في ذلك الزمان والله أعلم، وهذه تبقى قرائن.
وقد ذكرت المحققة كلام من نسب الفزاري للأشعرية اعتماداً على ما في شرحه للورقات، وناقشته وبينت أنه ليس كافياً في نظرها، وجوزت أن يكون له تدرجات عقدية بين أول حياته وآخرها، وهذا معقول.
في هذا الكتاب يصرح بذم مذهب الأشعري وابن كلاب، ويذكر تكفير أحمد للفظية، وينزله عليهم كما جرت عادة الحنابلة ومن وافقهم من الشافعية في القرآن فيقول: "وأما الإجماع: فإن مقالتهم هذه أحدثها أبو الحسن الأشعري، وابن كلاب، ولم تعرف قبلهما، ولا نسبت إلى أحد من علماء السلف، وخالفا فيها سائر الأئمة، ونسب من تابعهما إلى الأشعري دون ابن كلاب؛ لأنه انتحل مذهب الشافعي -رحمه الله تعالى- فتبعه لذلك ما بين مقلد ومنتحل خلق كثير.
وقد سبق قول الإمام أحمد في فرق الجهمية وذكر من قال: (ألفاظنا بالقرآن مخلوقة) منهم، ثم قال: أجمع من أدركنا من أهل العلم أن من هذه مقالته إن لم يتب لم يناكح، ولم يجز قضاؤه، ولا تؤكل ذبيحته".
وفي هذا الكتاب يذم الرازي ويقول بأنه كفر كفراً يزيد به على النصارى، وأن مصنفاته شاهدة بذلك، ويلزمه بأنه إذا كفر الحنابلة يلزمه تكفير الإمام أحمد، وأحمد والشافعي على عقيدة واحدة أصالة.
ومما قاله في هذا الكتاب في ص387 وهو يذم مذهب الأشعرية: "وأما الإله فلأنه عندهم لا في الكون ولا مقابل لشيء منه، وهذا قضاء باستحالة وجوده لأنه لا واسطة بين الوجود والعدم".
ومما قاله في شرح الورقات أن القول بأن المختلفين في الصفات من أهل القبلة، كلهم أراد الحق وتنزيه الله فهم معذورون يلزم منه قول هذا نفسه في الكفار الأصليين، لأنهم يزعمون أنهم يريدون الحق وتنزيه الله.
وعادة الأشعرية مع مثل الفزاري أنهم يبحثون له عن أي مسألة خالف فيها ابن تيمية ليقولوا (انظروا هو ليس سلفياً) ومنهم يجعله أشعرياً، والواقع أن المخالفة في دقيق العلم محل تسامح خصوصاً مع شخص نشأ في بدعة وتبرأ منها صراحة ودفعها، ومن السفسطة أن تترك تكفيره الصريح لأهل مذهبك أو على الأقل لمقالتهم وتذهب تبحث في الدقائق التي غايتها أن تكون مسائل تبديع (وقد نبهت المحققة على هذا المعنى إجمالا).
والفائدة من شأن الفركاح أو أيا كان المصنف أن ذلك الزمان لم يكن زماناً اختفت فيه السنة تماماً هذا مع حضور الحنابلة، وما حصل بين العز والحنابلة وعبد الغني والأشاعرة.
وقال ابن شاكر في فوات الوفيات: "وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار، وإذا سافر إلى القدس يترامى أهل البر على ضيافته، وكان أكبر من الشيخ محيي الدين النواوي بسبع سنين، وقيل إنه كان يقول: إيش قال النواوي في مزبلته؟ يعني الروضة".
وذكر الذهبي (وقد أدرك ابن الفركاح) أنه كان بينه وبين النواوي وحشة، ويؤكد ذلك ما ذكرته المحققة من أن النووي مع تلمذته عليه لم يذكره في شيوخه، وقد رد عليه في مسألة قسمة الغنيمة ويكاد يكون المعاصر الوحيد الذي أفرده النووي بالرد وهذا أمر فقهي.