كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (مفتاح فهم تميز الدين عن الفلسفات القديمة

المصدر
فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (مفتاح فهم تميز الدين عن الفلسفات القديمة والحديثة) عامة الفلسفات القديمة والحديثة والتي تأتي أحياناً على هيئة أديان وضعية، أو على هيئة مشاريع سياسية، أو اقتصادية أو حقوقية، تبشر برفاه وخير أو فضيلة، وتعيد لذلك ترتيب أولويات البشر. عامتها تدور حول مصلحة الإنسان الحاضرة، بدنياً وروحياً، أفراداً أو جماعات، وتهمل أمرين: الأول: حقوق الله تبارك وتعالى المحضة (يعني التي لا يظهر فيها دخول لمصلحة الإنسان بشكل مباشر). مثل أمر الصلوات والذبائح وغيرها، وهذه وإن كان الناس إن فعلوها سألوا رب العالمين الخير، ولكن الشأن في ترتيب عقوبة على من يتأخر في فعلها، فهنا يظهر حق الله. الثاني: النية فعند عامة البشر المهم أن تتصدق على الفقير وتخرجه من اسم الفقر فحسب، هل تريد بذلك شهرة أو تريد وجه الله أو أخذتك رقة القلب لا يهم، المهم أن تحقق المصلحة الحاضرة. وأما في الدين الذي جاء من عند الله فحقوق الله المحضة لها مقام جليل، ولا بد من إخلاص النية لله عز وجل، وهذا المبحث ينبغي أن يكون من دلائل النبوة أو دلائل ربانية الدين، فإن تعظيم رب العالمين في الوحي دليل على أنه من عنده سبحانه. وكل فلسفة تتمركز على البشر هي من البشر. والعجيب أن كثيراً من الناس يمقتون الدين لأجل أنه لا يتماهى مع الفلسفات البشرية، وكثير منهم انحصرت نظرته إلى محاسن الدين بما يوافق الفلسفات الوضعية. والآن اقرأ معي هذه السورة القصيرة الملأى بالمعاني العظيمة: قال تعالى : {أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤون (6) ويمنعون الماعون (7)} [الماعون]. من العبارات السائرة في زماننا بفعل اختلاط الفلسفات الوضعية بفهم الدين (إطعام جائع خير من بناء جامع) وكأن بينهما تزاحم. وتأمل هذه الآيات، تذكر إطعام اليتيم والحض على طعام المسكين، ثم يأتي الوعيد للساهين عن صلاتهم، جمع بين الأمرين لأنه لا تزاحم. وفي الفلسفات الوضعية قد توجد عبادة ودعاء وتضرع، ولكن إذا احتاج العبد لذلك يفعله دون أن يوجد إلزام. والعقلية التزاحمية مسيطرة حتى على كثير من المنتسبين للملة، فإذا حدثته عن أهمية التوحيد والعقيدة ظن أنك تريد إهمال الكلام عن الحقوق والأخلاق والتزكية، فينفر. ولو فرضنا أن هناك تزاحماً فعلى أي أساس رجحت الأمور الأخرى على العقيدة! وجاء الوعيد للمصلين الذين سهوا عن صلاتهم أي أخروها، فما بالك بمن لا يصلي أصلاً! ومن العبارات السائرة في زماننا أيضاً قولهم (العمل عبادة) يستدلون به على جواز تأخير الصلاة عن وقتها، أو ترك الجماعة ليسير العمل، ويظهر منهم التساهل في ذلك. والواقع أن العمل عبادة بنية غير أن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لعذر شرعي معتبر. وقد قال تعالى: {الذين هم يراؤون} تنبيها على أصل الإخلاص المهم في الدين، والذي لا يهم في الفلسفات الوضعية إلا كرافد قد يستبدل بغيره. ثم عاد الأمر إلى الحض على الإحسان فقال تعالى: {ويمنعون الماعون}، وفي الأمر فائدة لطيفة، فالماعون ما يعطى للجار من متاع البيت، وقد كان العرب يحبون العطايا الجزيلة التي يحمدها الشعراء، ويكون لهم بها صيت بين الناس. وعطية (الماعون) لا يثني عليها الناس ذاك الثناء لأنها من الأمور المعتادة، ولهذا من يعطيها فقد يعطيها احتقاراً دون احتساب، وقد يمنعها لأنه لا يجد لها صيتاً، غير أن المؤمن الذي علمته الصلاة التعامل مع الله والإخلاص لا يحقر من المعروف شيئاً، لأنه يرى عظمته عند الله وإن استصغره الخلق، ولهذا جاء التنبيه في نصوص كثيرة على مضاعفة أجر الصدقة حتى لا يستصغرها المتصدق.