=
=
وبقي أن نقول أن هذا الحديث مُتكلَّم فيه وقد أعله البخاري في تاريخه وتبعه البيهقي.
قال البخاري في تاريخه: "وقال الجعفي: حدثنا أبو عامر، سمع سليمان، عن ربيعة، عن عبد الملك، عن أبي حميد، وأبي أسيد، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن صالح: حدثنا بكير، عن عمرو، عن بكير، عن عبد الملك بن سعيد حدثه، عن عباس بن سهل، عن أبي، رضي الله عنه؛ إذا بلغكم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعرف، ويلين الجلد، فقد يقول النبي صلى الله عليه وسلم الخير، ولا يقول إلا الخير.
وهذا أشبه".
فالبخاري رجح الرواية الموقوفة، وسبب ترجيحه لها أن الراوي لها لم يسلك الجادة (فقد روي حديث آخر بإسناد المرفوع) وعبد الله بن صالح وإن كان فيه كلام إلا أن الراوي عنه هنا حافظ متثبت، فلا يقال أنه أدخل عليه.
والرواية الموقوفة أيضاً منقطعة، فعباس بن سهل لا يعرف له سماع من أبي فقد مات أبي وهو له 12 عاماً على قول بعض العراقيين، وأما على قول كثير من المحدثين أنه مات في خلافة عمر فلم يدركه عباس قطعاً.
وقال المعلمي في تعليقه على الفوائد المجموعة: "وقد يخدش في الخبر من أربعة أوجه. الأول: الإنكار. الثاني: ما أشار إليه الأمام أحمد من الشك. الثالث: الشك في لقي ربيعة لعبد الملك، أما إخراج مسلم لذلك الحديث الواحد، فقد يكون تسهل لأنه في فضائل الأعمال، وله شواهد في الجملة، وأما ابن حبان فقاعدته معروفة، والعجلي مثله، أو أشد تسهلاً في توثيق التابعي ن، كما يعلم بالإسقراء، وأما النسائي، فقد أخرج لعبد الملك خبراً آخر في القبلة للصائم، ثم قال (هذا منكر) وليس في السند من يشك فيه غير عبد الملك، ولهذا ذكره الذهبي في الميزان بذلك، وراوي خبر القبلة عن عبد الملك، وهو بكير بن الأشج، وهو في سن ربيعة، أو أكبر منه. وعلى فرض صحة الخبر، فلا سبيل إلى أن يفهم منه ما تدفعه القواطع، فمن المقطوع به، أن معارف الناس وآراءهم وأهواءهم تختلف اختلافاً شديداً، وأن هناك أحاديث كثيرة، تقبلها قلوب، وتنكرها قلوب. وبهذا يعلم أن اما يعرض للسامع من قبول واستبشار، أو نفور واستنكار. قد يكون حيث ينبغي، وقد يكون حيث لا ينبغي، وإنما هذا والله أعلم إرشاد إلى ما يستقبل به الخبر عند سماعه، وقد يكون منشأ ذلك: أن المنافقين كانوا يرجفون بالمدينة ويشيعون الباطل، فقد يشيعون ما إذا سمعه المسلمون، وظنوا صدقه ارتابوا في الدين، أو ظنوا السوء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرشدوا إلى ما يدفع عنهم بادرة الارتياب، وظن السوء، مع العلم بأن بادئ الظن ليس بحجة شرعية، فعليهم النظر والتدبر، والأخذ بالحجج المعروفة، والله الموفق".
فتأمل قبولهم لهذا الخبر الغريب الذي انفرد به راو واختلف فيه الناس، وجاهزيتهم لإنكار الكثير من الأحاديث الصحيحة باعترافهم (أنها موجودة في الكتب المعتبرة) لمعارضتها معايير اخترعوها!