متى تنبُت حدائق قلبك؟
متى تنبُت حدائق قلبك؟
قال تعالى: {أمَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تُنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} [النمل].
{حدائق ذات بهجة} تعبير يأخذ بالألباب.
حين أقرأه أتذكر مشهد سلة الفواكه حيث يتفنَّن المقدمون بجمع ألوان من الفاكهة مختلفة في الألوان والطعوم تأخذ العين وتبهج النفس حتى قبل أن يطعم المرء منها.
وقد شُبِّه الوحي بالمطر في النصوص، قال تعالى: {أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق}.
وقال النبي ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا».
ولذا لا بد أن يُنبِت الوحيُ في القلب حدائقَ ذات بهجة كتلك التي ينبتها المطر في الأرض.
وقد وجدت لابن تيمية كلامًا عجبًا في هذا الباب.
قال الشيخ كما في «جامع المسائل» [١/١٢٣]:
"وقد وصف النبي ﷺ بالطعم والذوق والوجد والحلاوة ما في القلوب من الإيمان، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن العباس عن النبي ﷺ قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا".
فهذا ذائق طعم الإيمان، وهو ذوق بباطن قلبه، يظهر أثره إلى سائر بدنه، ليس هو ذوقًا لشيء يَدخل من الفم، وإن كان ذوقًا لشيء يدخل من الأذن. ولهذا يقال: البهائم تَسمن من أقواتها، والآدمي يسمن من أذنه.
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار».
فأخبر أن من كانت فيه هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان، والحلاوة ضد المرارة، وكلاهما من أنواع الطعوم. فبيَّن أن الإنسان يجد بقلبه حلاوة الإيمان ويذوق طعم الإيمان، والله سبحانه هو الذي يذيقه طعم الإيمان، وهو الذي يجعله واجدًا لهذه الحلاوة. فالمؤمنون يذوقون هذا الطعم، ويجدون هذا الوجد، وفي ذلك من اللذة والسرور والبهجة ما هو أعظم من لذة أكل البدن وشربه.
والرب -تعالى- له الكمال الذي لا يقدر العباد قدره في أنواع علمه وحكمته ومحبته وفرحه وبهجته، وغير ذلك مما أخبرَت به النصوص النبوية، ودلَّت عليه الدلائل الإلهية، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
وهو في كل ذلك غنيٌ عن كل ما سواه، فهو الذي يجعل في قلوب العباد من أنواع الأغذية والأقوات والمسار والفرح والبهجة ما لا يجعله غيره، وهو إذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبًا حتى فرح بتوبته، لَم يحتج في ذلك إلى أحد سواه.
والتعبير بلفظِ القوت والطعام والشراب ونحو ذلك عمَّا يقيت القلوب ويغذِّيها كثير جدًّا، كما قال بعضهم: أطعمَهم طعام المعرفة، وسقاهم شراب المحبة".
أقول: الشيخ هنا يتكلم عن حدائق ذات بهجة يجد المرء لذَّتها في قلبه من التدبر في الوحي والتعبُّد به وتحكيمه على النفس وتنقيح الذهن بحسب معطياته.
وتأمَّل أن الشيخ استخدم كلمة "بهجة" علمًا أنه ما ذكَر الآية في سياق كلامه.