تنبيه دقيق لشيخ الإسلام فيما يجده بعض الناس في الباطل من منافع
تنبيه دقيق لشيخ الإسلام فيما يجده بعض الناس في الباطل من منافع
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٣٤/ ٢٢٣) :"وكل منفعة تحصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة في المآل؛ ولا يبارك لصاحبها فيها؛ وإنما هذا نظير السكران بالخمر؛ فإنها تطيش عقله حتى يسخو بماله؛ ويتشجع على أقرانه؛ فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل؛ وإنما أورثته عدم العقل. ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال فيجود بجهله؛ لا عن عقل فيه. وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل؛ وفتحت باب الخيال: تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى؛ فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف؛ فإن دينه باطل؛ والباطل خفيف ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق بما لا تجود به في الحق وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم أو يدعو المؤمن إلى فعله لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال بما بذله عوضا عن ذلك؛ وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه؛ وإنما ذلك لذة ساعة بمنزلة لذة الزاني حال الفعل ولذة شفاء الغضب حال القتل ولذة الخمر حال النشوة ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا وذنوبه محيطة به وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه"
أقول : هذا كلام نفيس جدا وتأمل قوله : ( والباطل خفيف ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق بما لا تجود به في الحق)
فإنه يشرح لك كثيرا مما تراه فمثلا لو ذكروا لك ماجنا جمع المال بالباطل من غناء أو تمثيل أو بيع خمور ثم مدحوا لك جوده مع الفقراء فاستحضر كلمة الشيخ هذه وأنه أخذ حقه من الباطل لذا جادت نفسه ببعض الحق
وأكمل منه من جاد بالحق مع كونه اكتسبه بالحق فليس في كلام الشيخ دعوى أن أهل الباطل يكونون مطلقا أحسن خلقا من أهل الحق ولكن المراد من كلامه أنك بعض أهل الباطل ترى فيه خلقا حسنا بني على معنى باطل فلا يمدح مطلقا دون النظر في ضرر هذا الخلق الباطل
فربما وجدت في بعض أهل الإلحاد من أدب الحوار الشيء العظيم وسبب ذلك كونه يعلم أنه ليس على حق فلا يغضب للحق بل يعلم من نفسه مخاتلة الناس فيغلف ذلك بأدب الحوار ، ومنهم من يكون سبب ذلك فيه أنه مأجور ويقبض المال على هذا لذا يوجد فيه من رحابة الصدر ما لا يجده المحتسب إلا بكلفة
وهذا نظير من يكون شجاعا في نصرة حق ما لدخول معنى الحمية فيه وأن الضرر وقع على قريب ولو كان الضرر وقع على غريب لرأيته باردا وربما جبنته
ونظير هذا أيضا ما وقع من بعض أهل الكلام من التوسيع في عذر المخالف لا اعتدالا ولكن ربما اعتقد أن ظواهر النصوص بضد مذهبه والنَّاس يحسنون بها الظن ومذهبه مبني على مقدمات دقيقة معقدة لا تفهم عند عامة الناس فبنى على ذلك التوسيع في العذر فهذا ( الاعتدال ) ما بني على فهم صحيح للنصوص بل بني على عقيدة فاسدة فيها
ونظير هذا ما يقع من بعض الكفار من التسامح مع المحجبات مثلا خلافا لغيرهم من الكفار وسبب ذلك أنهم متسامحون مع كل سلوك فردي ولو كان أفحش الفواحش لذا يقيسون المحجبة على ذلك فهذا الاحترام مع المحجبة داعيه عقيدة فاسدة تتصالح حتى مع الفواحش ومبنية على هامشية قضية الدين
وقد رأيت في بعض الروافض من يظهر اعتدالا مع أهل السنة ثم اكتشفت أنه أصلا ينازع إخوانه من الروافض في قضايا عديدة ظهر فيها فساد قولهم العظيم ولكنه لأنه منهم ويحوز منافع دنيوية من ذلك لا ينزع من مذهبه ثم هو صار يسوي بينهم وبين أهل السنة فصار يخاطب الجميع بلين اللفظ فهذا لينه أوجبه تسويته بين الحق والباطل وعدم مقدرته على إظهار العداوة التامة لأهل الباطل ثم قاس عليهم أهل الحق
والنماذج على هذا كثيرة وهذا من أكثر ما يفتن العوام وكثير من الخواص أنهم يَرَوْن سلوكا جيدا ويحتفون به دون إدراك مقدماته فهذا لو شعروا نظير من يحمد السخي الذي سبب سخائه الخمر كما قال ذلك الجاهلي وقصد مدح الخمر
ترى اللحز الشحيح إذا أمرت ... عليه لماله فيها مهينا
وخير الأخلاق ما كان مبنيا على الاحتساب ولا يفهم من هذا الكلام تبرير الرعونات وإنما فهم الامور على وجهها وعدم الاغترار بأي شيء يرى