كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ثنائية الدعوة والحكم!

المصدر
ثنائية الدعوة والحكم! [من القضايا المتكررة في حالتنا الإسلامية مسألة الحكم على الآخر] فكثير من الناس يرون أن الدعوة مقدَّمة على الحكم على الناس، ويجسد ذلك في قاعدة: "دعاة لا قضاة". أو يُقال: ما حكم تارك الصلاة؟ فيأتي الجواب: حكمه "أن تأخذه معك إلى المسجد". وهذا الطرح مع ما فيه من لطفٍ بالغ إلا أنه ليس واقعيًّا ولا يصلح الناس تماما! وذلك أن الناس يُصلِحهم الترغيب والترهيب معًا، ثم إن هناك عقوبات شرعية بمنزلة الأدوية المُرَّة التي تُحمد مرارتها لِمَا تعقبه من العافية، وهناك من يستحق العقوبة ويكون من حكمة عقوبته ردع غيره وإذابة قسوة القلوب القاسية. ومن الناس من يتخصص أو يهتم بالحكم على الأشخاص، ويظن أن مجرد الحكم يعني أنه لا مجال للدعوة وإنما للعقوبة بشكل مباشر إن توفرت القدرة، خصوصًا إذا كانت المسألة في ذهنه من المسائل الظاهرة فيرى أنه لا فائدة من الدعوة والحال هذه. وهذا الطرح غير سليم أيضًا، فإن ضلال الناس في المسائل الظاهرة قد يكون سببه التكبر وهذا يُعالَج بالمواعظ والترغيب والترهيب وليس العقوبات فقط، وقد يكون سببه الإعراض عن الحق لذا لا يفهم وجه ظهوره عندك حتى تبين له الأمر وتكسر أسباب إعراضه، هو ليس معذورًا بإعراضه أو شبهته بالضرورة، ولكنك مأجور ضرورةً ببيانك إن أردت وجه الله. وتأمل معي قوله -تبارك وتعالى- عن أقوام الأنبياء: "وكُلًّا ضربنا له الأمثال وكُلًّا تَبَّرنا تَتبِيرًا". قوله: "وكُلًّا ضربنا له الأمثال" فيه رد على الفريق الثاني الذي لا يرى فائدة لِلبيان في الواضحات، وفقط يرى الفائدة من العقوبات إن توفرت القدرة عليها. وقوله: "وكُلًّا تَبَّرنا تَتبِيرًا" أي أهلكناهم، وفيه رد على الفريق الأول الذي يرى الحجة تقنع ولكن لا يترتب على ردها شيء من الأحكام الدنيوية الحاضرة، فالإهلاك العام فعل الله وهو أعظم العدل. ويدل على أن ما دونه من الممارسات التي لا ترتقي إلى الإهلاك العام عدل من باب أولى -إن توفرت أسباب ذلك-. فهناك دعوة وهناك حكم وهناك عقوبة، والدين يشمل هذا كله، ولكنها مراتب يحصل منها المقدور عليه بحسب السياق، ولا يسقط واحد منها لغلو طرف فيه.