كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

القشة والغريق في الاستغاثة

المصدر
القشة والغريق في الاستغاثة كل غيور على عقيدة الأمة يؤلمه ما يحصل عند أضرحة الموتى من الاستغاثات بها وسؤالها تفريج الكروب وشفاء المرضى ، وكل من قرأ عن أحوال متقدمي هذه الأمة فإنه سيجد أحوال هؤلاء القوم أبعد ما تكون عنها فقد مات أعيان الصحابة من أمثال عبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة وابن عمرو وابن مسعود وقبلهم الراشدون فما أقيم على قبر واحد منهم ضريح ولا استغاث به الناس في الملمات بل الصحابة الذين دخلوا الكوفة بالمئات لا يعرف قبر واحد منهم وكذلك في الكثير من الديار ، ومات من أعيان التابعين الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وغيرهم من أعيان هذه الطبقة فما بني على قبر واحد منهم بنية ولا استغاث به أحد في ملمة وهكذا في عامة أهل القرون الأولى حتى ظهر الأمر في المتأخرين فظهر بناء القبب على القبور ثم بناء المساجد عليها ثم التبرك بالقبور ثم الاستغاثة بأهلها عندها ثم الاستغاثة بأهلها على مسافات بعيدة وحتى وصل الأمر إلى الذبح والنذر لتلك العتبات وتقبيلها والسجود لها فصار بعض المنتسبين للعلم يزينون للجهال أفعالهم بدلاً من أن ينهوهم عن هذه البواطيل ويناقشون دعاة التوحيد بمحاولة تمرير أن لبعض هذه الممارسات وجهاً غير شركي ثم ينتهون إلى إباحتها جملة ! ، وقد كانت سنة العلماء إنكار ذلك كله ومن أشهر استدلالات العلماء على الجهمية لما قالوا القرآن مخلوق الاحتجاج عليهم بحديث ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) وأنه لا يستعاذ بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله وهذا الاستدلال تجده في رسالة المروذي التي أقرها أحمد ورواها الخلال في السنة وتجده حتى في كلام الأشعري والباقلاني ، ولما كان مستقراً عند عموم المسلمين أنه لا يدعى إلا الله استدل أحمد على الجهمية بقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) في إبطال قول غلاتهم أن أسماء الله مخلوقة وهي غير الله وكذلك الإمام الشافعي كان يكفر بهذه المقالة ثم جاء خلوف وناقشوا في هذه المسألة الواضحة وجوزوا ما استحى الجهمية من تجويزه من الاستغاثة بالمخلوقين عند الملمات كما يستغاث بالله عز وجل بل تجد بعضهم يقول للميت ( يا سيدي مالي سواكم ) وقالوا لا يكون شركاً حتى يعتقد فيهم الربوبية بكل خصائصها مع أنه لا تلازم بين نفي الشركية والقول بالجواز ، والتزموا لذلك أنه لا فرق بين الألوهية والربوبية فصار قوله تعالى ( رب الناس ملك الناس إله الناس ) متكرراً بمعنى واحد ! قال الطبري في تفسيره حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] قال: " تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره. ونقل الطبري هذا التفسير عن عموم السلف وهو معنى تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية والعجيب أن القوم يقولون هذا التقسيم بدعة مع أنه ظاهر النصوص ثم ما حركهم البناء على القبور وكل ما يفعل عندها وفقط هنا عرفوا البدعة والسنة ! والواقع أن القول بالتسوية هو البدعة ثم جاءوا بأصل ثاني وقالوا سؤال العامة للموتى من باب المجاز العقلي يعني إذا قالوا ( يا عبد القادر أغثنا ) هم يريدون سؤال القادر فحسب وهذا الكلام لو كان يقوله عاقل لقالته الجهمية مجيبة على استدلالات أئمة أهل السنة ، ولكن لا عاقل يقوله والنبي صلى الله عليه وسلم نهر من قال ما شاء الله وشئت وغضب من قول الصحابة : مطرنا بنوء كذا وقال أصبح منكم كافر بالله مؤمن بالكوكب ، ولو كان للمجاز العقلي طريق لكان للصحابة =