كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حديث جامع لأبواب الاستفادة الأصلية من النصوص..

المصدر
حديث جامع لأبواب الاستفادة الأصلية من النصوص.. قال الترمذي في جامعه: "3591 -حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أحمد بن بشير، وأبو أسامة، عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن عمه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال والأهواء»: «هذا حديث حسن غريب» وعم زياد بن علاقة هو: قطبة بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم". وفي لفظ عند ابن أبي شيبة :اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأدواء. هذا الحديث يجمع الأبواب الأصلية للاستفادة من النصوص: فقوله (منكرات الأخلاق) يعني مثل الجبن والبخل وسرعة الغضب وغيرها، والاستعاذة من منكرات الأخلاق طلب لأضدادها من السخاء والشجاعة والحلم ونحوها. وقد صنف العلماء كتباً في مكارم الأخلاق كابن أبي الدنيا والخرائطي والطبراني، وصنفوا مصنفات في بعض الأخلاق كمثل المصنفات في ذم الغضب ومدح الحلم ومدح صلة الأرحام. وإذا نظرت في الجوامع الكبيرة مثل صحيح البخاري وبقية الكتب الستة تجد كتباً في الآداب والبر والصلة، وباب النصوص مع هذه الفضائل التي يدرك عامة البشر أنها فضائل ذكر ثواب هذه الفضائل، بحيث يدافع المرء ما في نفسه من الدوافع إلى منكرات الأخلاق. وأيضاً تزيل ما في النفس من توهمات تدفعك إلى منكرات الأخلاق فمن الناس من يبخل خوفاً من الفقر فجاء الحديث (ما نقصت صدقة من مال). ومن الناس من لا يعفو عن المسيء خوفاً من الذل فجاء في الحديث (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا). وبابها أيضاً أنها تحميك من الغلو فيها، فمن الناس من يبالغ في الكرم حتى يصل إلى السرف، ومنهم من يبالغ في صلة الأرحام حتى ينتصر للظالم منهم وكان هذا بلاء أهل الجاهلية. وقوله: (والأعمال) يريد به -والله أعلم- العبادات الفاسدة كأن تصلي صلاة مختلة الشروط والأركان، أو تتصدق بحرام، أو تتعبد لله بالمحدثات والبدع. وهذا باب تعالجه الكتب الفقهية ومن علامات المرء المتدين الوقوف عند مثل هذا. وقوله: (والأهواء) يريد به العقائد الفاسدة مثل الإرجاء والتشيع والتجهم والقدر وسائر البدع والضلالات التي حذر منها في النصوص وبدع الاعتقاد أشد البدع بالجملة، وقد تنبه لهذا المعنى ابن أبي عاصم فأورد هذا الحديث في كتاب السنة له وهو كتاب في العقيدة. وفي زماننا حدثت أهواء سوء من تغريب وعلمنة ونسوية. وقوله في لفظ ابن أبي شيبة: (والأدواء) يعني الأمراض، وهذا يشمل أمراض القلوب والأبدان، وفي أمراض القلوب باب الصحة النفسية مثل الوسواس والاكتئاب، وأما الأمراض البدنية فبابها الطب وهناك أخبار في الطب النبوي أفردها بعض أهل العلم بالتصنيف. حين تنظر في نصوص الوحي من كتاب وسنة احرص على أن تقف على ما ينقذك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء فهذا هو لب العلم، وما كان وسيلة لذلك فهو علم آلة معتبر. وأما ما سوى ذلك فهو ما يقول عنه العلماء: ما لا يترتب عليه عمل. مثل النوادر والغرائب والأحوال التاريخية التي إن لم يُستخرج منها عبرة فلا كبير فائدة فيها، وهناك أبحاث في كتب علوم الآلة لما كانت ليس لها تطبيقات ثابتة كانت من باب الفضول. واليوم كثير من الناس عندهم المسائل المهمة ما كان لها متعلق اقتصادي وسياسي واجتماعي وما سوى ذلك يعدونه فضولا، ولو كان من أبواب العقيدة. فتأمل كيف أن دعاءً جمع لك الشتات وحدد لك الغاية وضبط لك الوسائل فسبحان من آتى نبيه جوامع الكلم.