كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال تعالى : ( فبِظُلم من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أُحلت لهم وبِصدهم عن سب

المصدر
قال تعالى : ( فبِظُلم من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أُحلت لهم وبِصدهم عن سبيل الله كثيرًا ) حين قرأت هذه الآية تذكرت قول أم المؤمنين عائشة : لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثت النساء لمنعهن من الذهاب إلى المسجد . والمقصود أننا إذا قررنا لبعض طلبة العلم أن في أزمنة الفتن يقوى سد الذرائع بمعنى أن الناس إذا انتشر بينهم منكر معين حتى يعلنوا به وكأنه ليس منكراً فإنهم يمنعون من ذريعته وإن كانت في نفسها مباحة لأن الغالب عليهم استخدامها للباطل إلا ما علم يقيناً أنه ليس كذلك وهذه تكون حال عين وليست حالة عامة في الفتيا وإذا انتشر بين الناس فعل شيء على هيئة محرمة لا خلاف فيها فإن اشتغالك بالحديث عن الهيئة المختلف في إباحتها لهذا الفعل مع ندرتها هو من المكر بأهل الدعوة والاشغال لهم بما لا طائل تحته كما يضرب بعض الأفاضل مثلاً بمن يأتي إلى بلد يفشو فيها الخمر فيجتهد في الرد على العلماء المانعين من النبيذ المختلف فيه مع وجاهة قولهم سواء بصفة أصلية أو بصفة ذرائعية ففي كثير من الأحيان نحن لا نتكلم عن ذرائع محرمات مباحة مطلقاً بل نتكلم عن أمور مختلف في حرمتها وأحياناً تكون هناك دعاوى إجماع قديمة على الحرمة وبعض الناس منهجه مخالف لهذا فإنه إذا انتشر الباطل بين الناس اجتهد في بيان جوازه وجمع الرخص للعامة من هنا وهناك ثم تجد الناس لا يرضون حتى يقعوا في المحرمات التي لا خلاف فيها وقد كان مبدأ فشو الخمر في دولة العباسيين من التمحك بفتيا من أجاز النبيذ الذي يسكر كثيره دون قليله فما زال الأمر بالناس حتى تعدو إلى الخمر والشريعة كلها داخلة على سد الذريعة فيما تهفو إليه النفوس الضعيفة فنهي عن الانتباذ في الأسقية ونهي عن الخليطين ( شرابان إذا خلطا أسرع لهما التخمر ) ونهي عن تخليل الخمر لئلا يصير الناس يضعون الخمر في بيوتهم فإذا سألتهم قالوا لا نشربها وإنما نريد أن نخللها فلا يزال الأمر فيهم حتى يشربوها قال أبو حاتم الرازي _ كما في مناقب الإمام أحمد _ :" أتيتُ أحمد بن حنبل في أول ما التقيت به في سنة ثلاث عشرة ومئتين، وإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة" وكتاب "الإيمان" فصلى فلم يسأله أحد، فرده إلى بيته، واتيته يوماً آخر فإذا قد أخرج الكتابين، فظننت أنه يَحتَسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شرَ من المُسْكِر" مع أن الإمام أحمد في كتاب الأشربة يرد على من أباح النبيذ ليقطع شجرة الشر من أصلها فهو قول ضعيف واستغله المجان والمرء المسلم إذا دخل عليه الإرجاء فظن أنه بانتسابه للإسلام فقط هو مؤمن كامل الإيمان وصار لا يتحرى من ذرائع الشر ويلغ فيها فإنه قد يصير من بعض الأوجه أسوأ من الجاهليين الذي يحملهم على الفضيلة حب الشرف وتأمل حال أشعار الزمن العباسي لما انتشر هذان البلاءان في الأمة بلاء الإرجاء وبلاء التساهل في المسكرات وفيها من كثرة المجون ما لا يوجد في أشعار الجاهليين إلا ما كان من حال امريء القيس وكان فضل هؤلاء المنتسبين للملة على الجاهليين بسلامة الاعتقاد وترك خرافات الجاهلية فحسب غير أن السياقات السلوكية عندهم لا تنضبط إن لم يضبطها سلطان وهذا هو الحال اليوم في عدد من البلدان ولا يهولنك كلامي ففي القرآن أبيح الزواج من الكتابية العفيفة ونهي عن الزواج من المسلمة الزانية مع أن الإسلام في سده الذرائع عن الزنا أعظم من كل دين باتفاق كل البشر ولكن هذا قد يقع لدواعي خارجية فأنت تجد في الجاهليين من يغض طرفه عن جارته ويفخر بذلك طلباً للشرف ولا يرجو ما عند الله ، وتجد المسلم العفيف الذي يترك هذا طلباً لرضا الله ولا يخبر بذلك أحداً ويتفاخر كما يفعل الجاهلي ، وتجد منتسباً للملة ولكنه لا يعمل بحقوق الإسلام فيقع في الخنا ، وتجد جاهلياً تغلبه شهوته فلا وازع قرآن ولا وازع شرف كما هو حال غالبهم واليوم البلاء الأعظم أن الكفار المقتدى بهم يجعلون الفواحش والخنا فضائل وحقوقًا ويصورون منكر الفواحش على أنه سالب لحقوق الإنسان الأصلية ويتأثر بهم كثير من المنتسبين للملة فهؤلاء أخطر شيء عليهم فشو الإرجاء بينهم وتتبع الرخص وسد الذرائع فإذا كان الناس في زمن العباسيين انزلقت قدم الكثير منهم بسبب الإرجاء وتتبع الرخص في الأشربة مع ما كان فيهم من أخلاق العرب ( وإن كان هذا دخله دواخل كثيرة بسبب مخالطة الأعاجم وعلو كعبهم في دولة العباسيين ) فما بالك بالحال اليوم ؟ وما ذكرته في أمر الأشربة مجرد مثال ويقاس عليه أشياء عديدة.