مفهوم البركة وأثره في علاج أطماع النفوس وعلاقته بالعقيدة الصحيحة
مفهوم البركة وأثره في علاج أطماع النفوس وعلاقته بالعقيدة الصحيحة
كنت أتدبر قبل قليل بكلمة قرأتُها لإحدى الأخوات الفاضلات وهي تبيِّن للملاحدة عظيم الأثر الإيماني على سلوكيات الإنسان المؤمن حيث قالت: هل يوجد عند الملاحدة أحكام اللقطة؟
وحكم اللقطة هو الحكم الفقهي المعروف حين يجد الإنسان مالًا ضائعًا من صاحبه فإنه يعرِّفه سنَةً ولا ينتفع به مباشرة، ومثل هذا الحكم لا يمكن للناس أن يلتزموا به دون إيمان وفتيا تحثّ.
فتَحَتْ هذه الكلمة عليَّ بابًا حيث عُدتُ بذاكرتي لأول درس حضرته في كتاب منهج السالكين وكان في البيوع! وقد حضرت الدرس مع أنه غير مناسب لي من باب بركة المجلس (وبهذا كنا نُسلِّي أنفسنا حين نحضر دروسًا متقدمة ونحن في بداية الطريق).
وحقًّا كان الدرس مباركًا، فقد كان واضحًا، وقد حفظت كلام الشيخ الذي كان قليلًا يسهل حفظه، وكان مما حفظته ذلك الحديث العظيم المخرج في الصحيحين "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحق بركة بيعهما".
موطن الشاهد آخر الحديث (فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما).
هذه الجملة على وجازتها فيها إصلاح عقدي تنقطع به شجرة الشر ويُصلِح السلوكَ وتحصل من البركة ما لا يمكن لأي نظام في العالم أن يأتي به.
وبيان ذلك أنَّ الأمورَ المنهي عنها في الشرع مثل الربا والغش والنجش (يزيد الشخص في ثمن السلعة لا يريد شراءها ليَسمعه غيره فيزيد في الثمن) والاحتكار أصلُها طمع في النفوس، حيث يعتقد من يقوم بهذه الأمور أنه يربح المزيد وإن أضر بغيره.
وكذلك الأمور التي فيها غرر، مثل بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وبيع الملامسة وبيع العصاة وبيع الحبل في بطن أمه، كل هذه الأمور يدخلها الناس من باب المقامرة، والمقامرة فيها طمع بربح فيه ضرر على الآخرين ولكن بنوع مخاطرة، فقد يكون الظفر لك أو لغيرك.
ولا يعالج الطمع مثل مشاهدة (البركة)، فإن قيل للإنسان إن ما تربحه من حرام بركته ممحوقة، فهو حقيقةً نقصان في صورة الزيادة، كما ورد في الحديث (محقت بركة بيعهما).
فإن هذا يعالج أصل شجرة الشر (الطمع)، ويحمل الإنسان على ترك كل هذه الأمور المنهي عنها، والتي لا يخلو منها بلد اليوم، ولا يمكن لأي قانون أن يمنعها كلها، بل القوانين العالمية تدعم عددًا من صورها، فما أعظم بركة الشريعة على الناس لو كانوا يعلمون!
ومحق البركة له صور، منها ألا تنتفع بهذا المال بسيرك إلى الله، فإن هذه الدنيا كلها وسيلة إلى الله، فكل مال لا يحقق هذه الغاية بركته ناقصة أو ممحوقة.
وقد يدخل على المرء من الضرر المعنوي والحسي الذي يكون في أمراض بدنية أو نفسية أو ضرر في المال والولد أو جفوة مع الأحباب أو غيرها مما يكون من آثار محق البركة في المال.
وبضدها البركة، فقد يقع في المال القليل من النفع على البدن والنفس الشيء العظيم من بركة هذا المال الحلال، وهذا أمر مَن تدبَّره رآه كثيرًا في الخلق، ووجود العقوبات الدنيوية على بعض الذنوب رحمةٌ وتذكير، فإن الشقي من لم يرزق توبة وأُجِّلت عقوبته للآخرة.
واعتقاد (البركة) إنما يجري على أصول أهل السنة، فالعبد له فعل (فإن صدقا وبيَّنا) والله عز وجل له فعل (بورك لهما في بيعهما)، وهذا مفارق لأصل الجبرية القائلين بعدم تأثير الأسباب وأن الله هو الفاعل حقيقة ويعطِّلون فعل العبد، ومفارق لأصل القدرية القائلين باستقلال أفعال العباد بشكل مطلق وعدم تأثير فعل الله عليها بل لا يقولون بخلقها لله.
وإنني لأستغرب ممن يهوِّن من شأن البحث العقدي مع أن صلاح القلوب بالعقيدة السليمة، وبهذا المثال تعلم تداخل العقيدة مع الوعظ وتداخلهما جميعًا مع الفقه وتداخل هذه كلها مع مبحث محاسن الشريعة والرد على الملاحدة والعالمانيين، وعدم فهم تداخل العلوم مع بعضها البعض وتعوُّدِ قراءة كل واحد منها بمعزل عن الآخر يَحرِم من خير كثير.
وإنني لأستغرب أيضًا ممن يؤمن بفقه بيوعٍ يخالف الرؤية الاقتصادية العالمية ويؤمن بفقه عقوبات يخالف النظرة الحقوقية السائدة ويؤمن في أصل الخلق بما يخالف الرؤية العلموية السائدة، وهو في كل ذلك قوي الجنان لا يهاب، ثم هو في فقه الأسرة أو في باب التعامل مع المخالف العقدي له رؤية تلفيقية أو متأثرة بعض الشيء بالثقافة السائدة إلى درجة الحساسية الشديدة من كثير من المواد السلفية، فلا يصل الأمر إلى عدم القول بها فقط بل محاربة من يميل إليها! ولا أرى مثلًا لهذا إلا كمن طاف خمسة أشواط وترك الشوطين الأخيرين ورأى ذلك مجزِئًا له! وصار يُنكِر على من طاف سبعًا ويقول له: لماذا تجهد نفسك وتتعبنا معك؟ أتريد أن تصير مثل فلان الذي طاف ثمانية أشواط؟!