كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وكم من ساذج مثل الشاه رضا بهلوي!

المصدر
وكم من ساذج مثل الشاه رضا بهلوي! جاء في كتاب التصدع العالمي لستافريانوس، أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، ص٦١٣: "لقد كان رضا يؤمن إيمانًا ساذجًا بتفوق المؤسسات الغربية وصلاح انتقالها، ولذلك شرع بفرنجة كل مظاهر الحياة الخاصة والعامة تقريبًا. وأما النهج الذي اعتمده لتحريك الأمور هو بدء العمل من القمة نزولًا إلى القاعدة، وأدت استراتيجيته هذه إلى الكثير من الهدر والعديد من النكسات. فأحد الأمثلة كان بناء مشفى حديث، مجهز بأحدث المعدات وبطاقم من الأطباء المدربين في فيينا ونيويورك، ولكن هذا المشفى فشل في أداء مهمته من جراء نقص الممرضات المدربات والممرضين المدربين. علاوة على جهل المرضى بأبسط القواعد الصحية. فلو قام بدلًا من ذلك برنامج من الطب الوقائي والصحة العامة في القرى لساهم قطعًا مساهمةً أجدى في رفع سوية المعايير الصحية على المستوى الوطني". أقول: نقد ستافريانوس لرضا بهلوي (الذي حكم إيران زمنًا) هام جدًّا، فكثير من العالمانيين في بلداننا على هذا المستوى من السذاجة، سواء كان عندهم سلطة أو كانوا من العامة. يؤمنون بحتمية النموذج الغربي وأنه صالح لكل زمان ومكان، مع رفضهم هذا في الوحي، فيستدلون بتغيُّر الزمان على عدم صلاحية الوحي، وأما النموذج الغربي فلا يرون في تغيُّر المكان والظروف التاريخية والجغرافية والسياسية والثقافية أي مانع من استيراد هذا النموذج. وأيضًا بدايتهم من رأس الهرم أمر مُلاحَظ، فتجده يريد استيراد المصانع والمستشفيات وحتى الأندية الرياضية كما هي، ويظن أنه بذلك حقَّق تقدُّمًا، والواقع أن النكبات والخبرات التي اكتُسِبت في مسيرة بناء هذه الأشياء والتي تجعل عند أصحابها القدرة على المضي قدمًا ومعالجة الأخطاء لا يمكن أن تستورد مع النماذج الجاهزة، بل لا بد من نموذج بدائي ثم تنميته بحسب الرؤية والثقافة الخاصة بنا. وقد سجل ستافريانوس ملحوظة هامة جدًّا في ص٦٤٤: "إن وطأة رجالات الصناعة الأوربيين ضد منافسة المستعمرات لهم كانت أمرًا ملموسًا أيضًا في غربي إفريقية الفرنسية. فصناعة عصر الفستق السوداني في السنغال وجب عليها الانتظار حتى نشوب الحرب العالمية الأولى لتأمين سفن الشحن، وأتاحت للصناعة تعميق جذورها ومواصلة ازدهارها خلال السنوات التالية للحرب، على الرغم من المعارضة التي تلقتها من المؤسسات التحويلية في مرسيليا؛ فإنها ‎تمكنت من تأمين التقنين على صادرات الزيوت من غربي إفريقية إلى فرنسا. وحافظت هذه الحصة النسبية "الكوتا" على كميتها حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية حينما فرضت الحاجات الوطنية الملحة تحرير صناعة المستعمرات مرة أخرى من القيود الميتروبوليتانية. وهكذا سرعان ما انتشرت صناعة عصر الفستق السوداني من السنغال إلى السودان وفولطا العليا والنيجر، وارتفعت صادرات زيت الفستق السوداني من ستة آلاف طن قبل الحرب العالمية الثانية إلى واحد وثلاثين ألف طن بحلول عام ١٩٤٥. كما ظهرت مشاريع صناعية أخرى بعد رفع القيود، نتيجة لضغوط الحرب، معامل الإسمنت والسجائر ومناشر الأخشاب ومحالج الأقطان ومعامل تعليب الأسماك والسكر". أقول: خلاصة كلامه أن رجال الصناعات الأوروبيين كانوا يعيقون تجارة البلدان التي تقع تحت استعمارهم (من غير طريقهم) حتى لا ينافسوهم في السوق، وأحسب أن هذا لا زال موجودًا ولكن بأساليب ملتوية، والخلاصة واحدة، ولا زال النهب من المستعمرات مستمرًّا.