كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو القاسم ثاني

المصدر
إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو القاسم ثاني ملوك الأدارسة في المغرب الأقصى وباني مدينة فاس. كان جواداً فصيحاً حازماً أحبته رعيته، واستمال أهل تونس وطرابلس الغرب والأندلس إليه، وصفاً له ملك المغرب وضرب السكة باسمه. توفي رحمه الله بفاس سنة ثلاث عشرة ومائتين جاء في الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى : وذكر ابن غالب في تاريخه أن الإمام إدريس لما فرغ من بناء مدينة فاس، وحضرت الجمعة الأولى، صعد المنبر وخطب الناس، ثم رفع يديه في آخر الخطبة فقال: اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى بها كتابك وتقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - ما بقيت الدنيا، اللهم وفق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عليه، وإكفهم مؤنة أعدائهم وأدر عليهم الأرزاق، وإغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق إنك على كل شيء قدير. أقول : هذا الدعاء دعاء رجل فقيه إذ أن بنيان المدن وتشييدها أمر يشترك فيه أهل الإيمان وأهل الكفر غير أن أهل الكفر وأهل الغفلة من المؤمنين يحملهم ذلك على الركون إلى الدنيا بل من المدن ما بني وكأن أهلها سيخلدون في الدنيا ، وللشيطان نزغة في ذلك يحمل المرء على البطر والفرح وينسيه حظه من الآخرة في مثل هذه اللحظات وإدريس هذا يستحضر ما حصل بين قريش لما فتحت عليهم الدنيا وتحقق فيهم تخوف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها . وقد حصل من قطيعة الأرحام والفتن والبلاء بين أبناء العمومة ما الله به عليم وما سلم إلا الصالحين المتمسكين بالهدي الأول وقد قص الله علينا في شأن بنيان الكفار وبطرهم في البنيان ما كان من أمر عاد ( وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين ) وفي أمر فرعون : ( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) وأما في أهل الإيمان وما يبنون مما يريدون أن يجعلوه للغاية التي من أجلها خلقوا من عبادة محضة أو إحسان للمسكين أو غيظ لأعداء الله فما ذكر الله في شأن سليمان : ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور) قال الطبري في تفسيره حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (يعملون له ما يشاء من محاريب) قال: المحاريب: المساكن، وقرأ قول الله (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب) . حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي قال ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك (يعملون له ما يشاء من محاريب) قال: المحاريب: المساجد. وأما اليوم فحال الناس أن التطاول في البنيان مطلوب لذاته تقليداً للكفار أو مضاهاة لهم أو طلباً لثنائهم بدون أي مقاصد أخروية بل على العكس يوجد في هذه البنايات العظيمة من مظاهر المعاصي ما الله به عليم وينظر الناس لهذا نظرة إعجاب وأن ذلك علامة التطور وكل ما يحملك على البطر ونسيان آخرتك تدهور وليس تطوراً