حرمة الصلاة الباب الكاشف للفهم المغلوط للدين..
حرمة الصلاة الباب الكاشف للفهم المغلوط للدين..
قال الترمذي في كتاب الإيمان من جامعه باب حرمة الصلاة:
"2616 - حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت وذكر الحديث كاملاً
ثم قال 2617 - حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} الآية."
أقول: كتاب الإيمان في الجامع خصصه الترمذي للرد على المرجئة، وعقد هنا باباً بعنوان (حرمة الصلاة) ويعني به عظيم قدرها، كمثل تصنيف محمد بن نصر المروزي تعظيم قدر الصلاة، وعقد باباً آخر في حكم تاركها.
وباب (حرمة الصلاة) يحتاج اليوم منا إلى تنبيه ووقفات، فالترمذي عقد هذا الباب ليرد على المرجئة فيقول كيف تكون الصلاة التي هذه مكانتها العظيمة في الدين ليست من الإيمان كما يقول المرجئة؟
وقد اعترض بعض أهل العلم على القسمة المشهورة عند المتأخرين حيث يقولون مسائل أصول ويريدون بها الغيبيات ومسائل فروع ويريدون بها العمليات بأن الصلاة من آصل الأصول، فالصواب أن المسألة الجليلة أصول سواءً كانت علمية أو عملية، والدقيقة فروع سواءً كانت علمية أو عملية، ومن المسائل ما هي ظاهرة في حق العلماء فهي أصول في حقهم وخفية في حق العوام فهي فروع في حقهم، ومنها ما هي ظاهرة في حق قوم دون قوم بحسب القرائن، ومنها ما هي ظاهرة دائماً ومنها ما هي خفية في الغالب.
قلت إن باب (حرمة الصلاة) نحتاج إلى أن نوضحه ونزيد فيه، وذلك أن كثيراً من الناس صار عندهم أهم المسائل ما له متعلقات سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا شك أن الدين يصلح هذه الأبواب كلها ولكن هؤلاء القوم صاروا يستهينون بمثل هذه الأبواب، أبواب حقوق الله المحضة مثل أمر الصلاة.
وربما تجد بعضهم إذا أراد أن يعلي من شأن العبادات جعلها مجرد وسائل للمعاملات، فيجعل الغاية القصوى من العبادة أنها تصلح أحوال الناس الدنيوية.
ولا شك أن العبادات لها أثر عظيم في ذلك، غير أن العبادات بابها الأساسي إصلاح ما بين العبد وربه، وقد اتفق الناس على أن المرء إذا كان لا يصلي فهو شر من السارق والغاش والمرتشي والمغتصب، وهذا أمر عظيم على من تأثر بالثقافة العصرية واستهان بحقوق الله عز وجل ولم ينظر إلا لحقوق البشر.
وبعض الناس ربما لا يستهين بالصلاة ولكن يقع منه الاستهانة ببعض الأحكام المتعلقة بها كأحكام الحيض والنفاس وأحكام المسح على الخفين وغيرها، وهذا أطلقه أول ما أطلقه قوم في قلوبهم دخن ثم قلدهم بعض من فيه خير ولم يفطن لحقيقة مقصودهم.
قال الدارمي في مسنده: "824 - أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: سئل ابن عباس عن المرأة تستحاض؟ قال: «تنتظر قدر ما كانت تحيض، فلتحرم الصلاة، ثم لتغتسل ولتصل حتى إذا كان أوانها الذي تحيض فيه، فلتحرم الصلاة ثم لتغتسل، فإنما ذاك من الشيطان يريد أن يكفر إحداهن».
هذا أثر محتمل عن عبد الله بن عباس يتكلم فيه عن الكفر والإسلام وهو يتكلم عن حكم الاستحاضة، والمستحاضة هي المرأة التي نزل عليها دم فاسد اختلط بحيضها فلم يتوقف الدم عن الخروج فيقول ابن عباس أن الشيطان يريد من المرأة أن تكفر بمعنى أنه يجب عليها الصلاة ولا تصلي لأنها تظن نفسها حائضاً وهي ليست حائضاً وإنما ذلك دم فساد.
فذكر هذا الصحابي للكفر وهو يتكلم عن أحكام الحيض من أقوى ما يرد به على من يستهين بهذه المسائل، ومن عظّم هذه المسائل لورودها في الوحي فسيعظم كل المسائل الواردة في الوحي وسيدخل في ذلك كل أنواع المسائل سواءً ما له متعلقات سياسية واقتصادية واجتماعية أو ما ليس كذلك.
وجهل كثير من الناس بباب (حقوق الله المحضة) وعظيم قدرها في الدين أضعف مكانة الدين في قلوبهم وجعلهم فريسة لشبهات الملاحدة والمنافقين ممن يستهينون بحقوق الله لكفرهم به، ثم يريدون من الشريعة أن تجري على أهوائهم، وإن من براهين أن الشريعة من الله أنها لا تجري على هوى الذين يكفرون بالله ورسله لا العكس.