كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وقال في الفتاوى الكبرى: "وقال علي بن عاصم: ما الذين قالوا: إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم. قال البخاري: وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق، وقيل له: سمعت أحدا يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: هؤلاء الزنادقة. قال: وقال أبو الوليد: سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق. فقال: كيف يصنعون بقل هو الله أحد؟ كيف يصنعون بقوله: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} [طه: 14] قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا يعرف كفرهم". أقول: هذه العبارات محل استشكال في زماننا، والمرء إذا وجد في كلام السلف ما يستشكل لا يبادر إلى الرد والدفع بل يحاول أن يفهم مأخذ القول. فهذه آثار كثيرة وليست مفردة، وموجودة في كتب الاعتقاد المشهورة وليست تعليقاً عابراً لمؤرخ أو كلمة قيلت في مناظرة. وتلاحظ أن شيخ الإسلام ينقل هذه العبارات مقرًّا، فما وجه هذه العبارات؟ الجواب: هذه العبارات يراد منها شرح حقيقة القول، وهذه الحقيقة قد لا تظهر للعامي أو حتى للسني الذي يخالفهم، وربما لا تظهر لبعض القائلين بهذه المقالة. اعتبار مقالة الجهمية شرًّا من كلام اليهود والنصارى سببه أن اليهود والنصارى يصفون الله عز وجل بالنقص وأما الجهمية فيصفونه بصفات العدم، والموجود أكمل من المعدوم وإن كان ناقصًا، ولهذا قرر ابن تيمية أن التعطيل شر من التشبيه. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام في ترجمة أبي العباس نجم الدين أحمد بن الشهاب المقدسي (14/ 263): "قال -يعني أحمد ابن الشهاب-: ورأيته صلى الله عليه وسلم بخوارزم فقلت: يا رسول الله، لماذا أنزل الله في التوراة والإنجيل والقرآن وسائر الكتب: "إن الله في السماء" وأرى أكثر الناس ينكرون ذلك؟ قال: ومن ينكر ذلك؟ الأمر كذلك". فهذا توضيح أن الكتب حتى التي حُرِّفت تقول بعلو الله عز وجل على خلقه، ويعرف ذلك عامة الناس بفطرهم، فمِن هاهنا جاء التشنيع. وقال الذهبي في ترجمة معمر بن عباد: "وكان يزعم أن النفس ليست جسما ولا عرضا، ولا تماس شيئا ولا تباينه، ولا تتحرك ولا تسكن. وهذا قول أهل الإلحاد". أقول: قول أهل الإلحاد هذا هو قول الجهمية في الله عز وجل أنه لا يُعرَف له مكان ولا يُشار إليه ولا يُسمع له كلام، وعادة الفلاسفة الملحدين أنهم إذا أرادوا إنكار شيء فإنهم يثبتونه بهذه الصفة العدمية، فيقولون في الملائكة والجن والنفوس هذه الأوصاف، فيجعلونها من عالم المثل شيء لا يتصل بزمان ولا مكان، وقد علم كل عاقل أن هذه صفة العدم، لهذا قال ابن تيمية في ابن رشد لمّا كان قائلًا بهذا بأن كثيرًا من اليهود والنصارى أعظم إيمانًا منه، أي أنهم يؤمنون بالغيبيات إيمانًا أعظم فيثبتون للكائنات الغيبية صفات وجودية. وحين يقال مثلًا إن الحلولية أكفر من النصارى لأن النصارى أثبتوا الحلول في كائن واحد وهؤلاء أثبتوه في كل الكائنات، فهذا له وجه. وأيضًا لمّا كان أهل الأديان جميعًا يشترطون لدينهم أن يتكلم المرء به ليدخل فيه، وجاء الجهمية فحصروا الإيمان المجزئ بالقلب قال فيهم أبو عبيد عبارته الشديدة أعلاه. ولما كان كفار قريش يقولون بأن القرآن هو قول البشر فجاءت طائفة وقالت هو قول البشر أو الملك حكاية عن كلام الله، فجعلوا القرآن ليس كلام الله ثم جعلوا كلام الله ممكنًا محاكاته، قال ابن الحنبلي عبارته الشديدة أعلاه فيهم. غير أن بعض الناس عنده التزام مبدئي بتجميع الأمة -بغض النظر عن عقائدهم- فيثقل عليه أن يوجد في المنتسبين للملة من يقول قولًا أشد من قول اليهود والنصارى ولو من بعض الأوجه، فتجده يستنكر مثل هذه العبارات دون أن يفهم مأخذها، ويحتكم لمستقر في نفسه بفعل ثقافة عصرية هو يرفض بعض مدخلاتها، وهذا من أضعف أنواع الاحتجاج، وهو دأب عامة من يشنِّع على كلام السلف، وبعضهم يستر رده على السلف بأنه يحارب غلاةً معاصرين من الشباب الغالي؛ والحقيقة أن مثل هذا الضرب موجود ولكنَّ هذا الرادَّ لا يكتفي بالرد عليهم بل يرد على السلف أيضًا معهم دون أن يميز بين كلامهم وكلام السلف، وهذا إفراط بل هو يخدمهم من حيث لا يشعر. وهذه الكلمات من مناقب الأمة، فإن اليهود والنصارى غرقوا في مقالات الفلاسفة والزنادقة، بخلاف هذه الأمة إذا ظهر من يدعو لذلك أنكروا عليه ووقفوا أمامه ولو كان الخليفة ولو كان مذكورًا بالعلم.