ابن تيمية والتعاون مع أهل الكلام ضد العدو المشترك
ابن تيمية والتعاون مع أهل الكلام ضد العدو المشترك
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث النزول فأجاب بجواب مطول يقع في مجلد.
لم يقف عند البحث الأولي في صفة النزول ونزاع الناس فيها، بل شرح للسائل أن الخلاف في هذه المسألة فرع عن مسألة أكبر وهي إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل أو المتجددة.
فالذين نفوا النزول لم ينفوه لإشكالات خاصة في النزول ولكن لأنهم لا يثبتون لله فعلًا اختياريًّا يقوم بذاته، لا كلام ولا صعود ولا مجيء، بل حتى السمع والبصر يثبتونه على جهة لا يتحقق فيها التجدد والتتابع.
ثم شرح علاقة هذه المسألة بمسألة حدوث العالم، وذكر البرهان القرآني على افتقار العالم لله عز وجل {أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون} وشرحه، ثم بيَّن أن البرهان لا يتم إلا بإثبات الفعل الاختياري.
وهكذا أدخل الأبحاث كلها ببعضها البعض، الرد على أهل الكلام بالرد على الفلاسفة والملاحدة.
ثم قال بعد كلامٍ طويلٍ في شرح حديث النزول: "ولهذا لا يوجد الاستدلال بمثل هذا في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإنما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة، وتلقَّاه عنهم كثير من الناس: ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن الرب؛ مثل أن ينفي عنه النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها؛ كالجهل، والعجز، والحاجة وغير ذلك. وهذا تنزيه صحيح، ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيُعارَض بما أثبته؛ فيلزمه التناقض.
ومن هنا دخلت [الملاحدة الباطنية] على المسلمين، حتى ردوا عن الإسلام خلقًا عظيمًا صاروا يقولون لمن نفى شيئًا عن الرب -مثل من ينفي بعض الصفات، أو جميعها أو الأسماء الحسنى-: ألم تنف هذا لئلا يلزم التشبيه والتجسيم؟! فيقول: بلي! فيقول: وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته، فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئًا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى ألا يعرف الله بقلبه، ولا يذكره بلسانه، ولا يعبده، ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه، بل يعطل نفسه عن الإيمان به، وقد عرف تناقض هؤلاء".
فالشيخ هنا يرى أن الملاحدة الباطنية (وهؤلاء في زمن الشيخ كالعالمانيين في زماننا) بسبب أصول أهل الكلام التي اتفق عليها الجهمية والمعتزلة والأشعرية "ردوا عن الإسلام خلقًا عظيمًا" يعني الإسلام المتفق عليه، فحوَّلوهم لملاحدة خُلَّص لمَّا ألزموهم بطرد أصول المتكلمين.
هذا كلام ينبغي أن نقف عنده، فالدعوة للاتحاد ضد العدو المشترك إن سلمنا لها لا بد لها من شرطين:
الأول: وجود منهج مشترك يمكن أن ينطلق منه الجميع دون أن يُثيروا أثناء الرد الخلافياتِ بينهم فيكون الرد على الملحد أو العالماني تبشيرًا مبطنًا لعقيدته يستفز زميله.
الثاني: ألا تكون عقيدة أحد المجتمعين تخدم الباطل لكونها مبنية على أصول فاسدة إذا طردناها أدَّى ذلك لقول أهل الباطل المراد الاجتماع ضدهم.
وابن تيمية في عامة مؤلفاته يزعم أن أصولَ المتكلمين الفاسدة إذا طُرِدَت فإنها ستؤدي إلى أقوال الزنادقة الخُلَّص وأنهم أصحاب مناظرة ضعيفة لأهل الباطل من الفلاسفة وأصحاب وحدة الوجود.
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (4/401): "ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي، فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإثبات، كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة أمرهم أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وإن تظاهروا بالرد عليهم، والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية، هذا لعمري عند التحقيق".
فوفقًا لتقرير الشيخ هذا الاجتماع ضد العدو المشترك غير ممكن، بل الرد على المبطل القريب هو رد على المبطل البعيد لأنه يقطع الطريق عليه.
فتجد كثيرين ينقلون كلامًا عن ابن تيمية في أن الأشعرية أفضل من المعتزلة في الباب الفلاني وأن المعتزلة ردوا على الباطنية ردودًا جيدة في الباب الفلاني ويقولون (انظروا إنصاف الشيخ).
ثم يُغفِلون بقية كلامه الذي يبيِّن فيه أن أهل الكلام وإن ردوا على الفلاسفة والباطنية إلا أن أصولهم الفاسدة إن طُرِدَت فستؤدي لأقوال القوم وأن مناظراتهم للقوم ملأى بالعيوب ونقاط الضعف بسبب أصولهم الفاسدة.
=