معضلة الظهور والخفاء: الظاهر يخفى غير أن الخفي لا يظهر! (وصيحة نذير تتعلق بمفتاح
معضلة الظهور والخفاء: الظاهر يخفى غير أن الخفي لا يظهر! (وصيحة نذير تتعلق بمفتاح الوسواس)
لسان حال بعض الناس المتوسعين بالإعذار أن هناك مسائل في نفسها جلية ظاهرة ولكنها تخفى بسبب بعض الشبهات، ثم صار هذا الأصل في الخلافيات بين أهل الملة.
وهناك مسائل خفية كمسائل الفقهيات وهذه المسائل لا تظهر أبداً لا يمكن أن تصير جلية بقرائن تقترن بها، وهذا تحكم واضح.
فإمكانية جلاء المسائل الخفية هو الذي يحرك الناس في النقاشات، وهو الذي يحرك العلماء للتأليف، وهو اعتقادهم إمكانية توضيح الخفي ودرء الشبهة وبيان الحق بما يقطع العذر.
ومن البديهي أنه كما يمكن للمسائل الجلية أن تخفى على بعض الناس في بعض الظروف فكذلك يمكن للمسائل الخفية أن يتم تجليتها في ظروف معينة، ولهذا هناك أزمنة فترات وأزمنة صحوات.
غير أن بعض الناس بالعاطفة المجردة مال لهذا ولأن سمت أهل العصر المبالغة في إحسان الظن بأهل الانحرافات العقدية مهما كان انحرافهم، وعدم إنزال البينات الإلهية منزلتها، صار هناك خفاء موضوعي كما يقال بلغة العصر، يعني خفاء لا تدخله النسبية البتة، وأما الظهور فهذا دائماً تدخله النسبية في خلافيات المنتسبين للملة.
وقد قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}[النساء] ولولا إفادة مثل هذا الرد في تجلية الحق ما أمر الله عز وجل به.
وقد اختلف الناس في المخالف في الأصول، بل اختلفوا في الأصول نفسها كيف تضبط، غير أنهم بعد هذا الضبط اختلفوا في المخالف في الأصول.
فذهب المعتزلة إلى أن كل من أطلق في حقه التكفير فهو مشهود عليه بالنار وأن كل مخالفة هي كفر فالواقع فيها كافر مستحق للنار قبل الرسالة وبعد الرسالة، فالمعتزلة عندهم أن الاسم (الكفر) و الحكم (الشهادة بالنار) دائماً مقترنان لا ينفصلان أبداً.
وأما الجهمية نفاة الحكمة والتعليل فذهبوا إلى أن الله عز وجل يجوز عليه عقلاً أن يعذب الناس قبل الرسالة ويعفو عنهم بعد الرسالة، ويكون ذلك عدلاً منه وإن لم يكن واقعاً شرعاً، وأن التحسين والتقبيح شرعيان فقط، ولهذا الاسم والحكم عندهم ليس بينهما تناسب أبداً.
وهناك من قال بتكافؤ الأدلة بمعنى أنه لا يوجد أصول وفروع أصلاً، وكل المسائل الحق فيها نسبي يتبع الاعتقاد ولا يوجد حق موضوعي، يعني قيام الحجة مستحيل، وهذا منسوب لابن عربي.
وأما أهل السنة فقالوا بأحوال يثبت فيها الاسم ولا يثبت الحكم، كأهل الفترة يقال عنهم مشركون ولكنهم لا يعذبون إلا بعد الامتحان في الآخرة، فمنهم الناجي ومنهم الهالك، ودخل في هذا القسم أطفال المشركين في قول جماعة من أهل الحديث، وهنا فارقوا المعتزلة والجهمية.
وقالوا بأحوال يثبت فيها الاسم قبل الحجة، ويثبت فيها الحكم بعد قيام الحجة، وضبطوا قيام الحجة، وبهذا خالفوا القائلين بتكافؤ الأدلة.
وقالوا بأحوال يثبت فيها الاسم والحكم كحال الكفار بعد الرسالة ومن خالفوا معلومات من الدين بالاضطرار من المنتسبين للملة كالباطنية والبهائية والدروز ويعللون ذلك بظهور حجة الله الرسالية عليهم، وهم بهذا يفارقون المعتزلة والجهمية والقائلين بتكافؤ الأدلة.
وقالوا بأحوال يثبت فيها الحكم دون الاسم كقتال البغاة وجلد شارب النبيذ -المختلف فيه- دون الحكم بتفسيقهم.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (20/37): "وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام وذلك حجة على الطائفتين: على من قال: إن الأفعال ليس فيها حسن وقبيح (يعني الأشعرية الجهمية). ومن قال: إنهم يستحقون العذاب (يعني المعتزلة) على القولين. أما الأول فإنه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين؛ لقوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} وقوله: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين} {قوم فرعون ألا يتقون} وقوله: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} فأخبر أنه ظالم وطاغ ومفسد هو وقومه وهذه أسماء ذم الأفعال؛ والذم إنما. يكون في الأفعال السيئة القبيحة فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم؛ لقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون} فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه؛ لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال: جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا. والتولي عن الطاعة كقوله: {فلا صدق ولا صلى} {ولكن كذب وتولى} فهذا لا يكون إلا بعد الرسول مثل قوله عن فرعون. {فكذب وعصى} كان هذا بعد مجيء الرسول إليه كما قال تعالى. {فأراه الآية الكبرى} {فكذب وعصى} وقال: {فعصى فرعون الرسول}"
=
=
فجاء بعض المعاصرين وقالوا قولا ملفقاً عجيباً ونسبوه لابن تيمية قسراً، فقالوا أن الاسم والحكم لا يثبت في المخالفين المليين في الأصول إلا بعد قيام الحجة، فلا تبديع ولا تكفير مطلقاً مهما كانت البدعة (عدا الباطنية) إلا بعد قيام الحجة، ونسبوا من يخالفهم إلى المعتزلة، علماً أن القول بأن الاسم والحكم لا بد أن يحضرا معاً مطلقاً هذا أقرب لأصول المعتزلة.
ثم تكلموا بتعسير قيام الحجة حتى أنه لا يوجد عندهم ضابط لذلك، وانتهى بعضهم إلى إسقاط التكفير والتبديع العقائدي مطلقاً بصراحة وهذا أقرب للقول بتكافؤ الأدلة، فالقول تلفيق بين مذاهب أهل الكلام ومذاهب القائلين بتكافؤ الأدلة وأداتهم ما ذكرته في بداية المقال وجود خفاء موضوعي وأما الظهور فنسبي ودائماً القرائن تخفيه ولا توجد قرائن تثبته أو تزيده ظهوراً.
ثم صاروا ينسبون كل من يخالفهم في هذا التقرير إلى موافقة المعتزلة! وهذا يشبه سلوك الأشعرية في مسائل القدر كل من خالف جبرهم نسبوه للاعتزال.
وصاروا ينسبون الخلاف بين العلماء المتفقين على الأصول نفسها، فأئمة الدعوة النجدية وابن تيمية متفقون على الأصول المباينة لطريقة المعتزلة والقائلين بتكافؤ الأدلة ثم ربما حصل نقاش في بعض الحالات كبعض فرق الجهمية ندخلها تحت أي تصنيف، فيجعلون هذا الخلاف أصلياً.
فمثلاً نجد علماء أهل السنة يتفقون على أن الإيمان قول وعمل ثم يختلفون في ترك الزكاة مثلاً، هل هو كفر أو الطائفة الممتنعة؟ فيأتي المرجيء ويجعل الفريق الذي قال أن الأمر ليس كفراً -بناءً على أدلة- موافقاً له على إخراج العمل من مسمى الإيمان، وليس كذلك.
هذا النفس المتوسع في الإعذار يدخل الناس في الوسواس، فتجد المرء يأتي إلى الواضحات ويرى بفطرته أنها من الواضحات البينات وأن البراهين فيها عظيمة فيدخل عليه الشيطان فيقول: لو كانت واضحة ما خالف فلان وفلان وزعمك الوضوح سيأخذك للغلو.
فيجلس يتطلب الإشكالات الدقيقة على الأصول الواضحة، ويقلد أهل الكلام في طريقتهم التي أورثتهم الشك، ويرى أن ذلك هو الإنصاف، ويخادع نفسه كلما وجد يقيناً، ويحاول إقناع نفسه أن طريق اليقين صعب وعسير ولا يناله إلا خواص الخواص، وهذا أساس بلاء الفلاسفة وأهل الكلام.
وهذا النفس الإعذاري التحكمي انتشاره في الشباب مؤذن بانتشار فئتين:
الأولى: فئة يفشو فيها الوسواس أو يغلب على لغتها التشكك والتردد على غير السمت السلفي، ويظهر لذلك أطوار من التميع مع المخالفين لا مثيل لها في السابقين إلا نادراً.
الثانية: فئة من الغلاة الذين خيرهم هؤلاء بين قولهم وقول المعتزلة أو الأقوال المتأثرة بمقالات المعتزلة فصدقوا واختاروا مقالات الغلو لنفرتهم من مقالات الجفاء، وإدراكهم لعيوبها الشديدة.
هاتان الفئتان ستكثران جداً مستقبلاً ما لم يأتِ خطاب يشرح قول أهل السنة على دقته، ومع الأسف كلام ابن تيمية لا يفهمه كثيرون ممن يدعي التخصص في العقيدة، لأن للشيخ كلاماً في المسائل الفقهية يكمل مقالته، فهو يذكر مثال نزول الحكم دون الاسم في الفقهيات كثيراً، إذا تكلم على جلد شارب النبيذ ويتكلم على وجود قرائن تدل على ظهور الخافي، إذا تكلم على مسألة (لا إنكار في مسائل الخلاف).
والشباب اليوم أحوج إلى قليل من الاستعلاء منهم إلى كثير من الحجج، فالمشكلة نفسية وليست معرفية، وبعض الاختيارات المدفوعة بالعاطفة تعزز هذه المشاكل ولا تدحضها.
هي قسمة رباعية فأين ذهبت بقية الأقسام؟
تكلم ابن القيم في نونيته المشهورة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية عن حكم المعطلة في زمانه، وهم الذين اشتكى من غلوهم بالتكفير حيث كفروا أهل السنة، ثم ذكر تفصيل أهل السنة فيهم.
قال ابن القيم:
لكننا نأتي بحكم عادل ... فيكم لأجل مخافة الرحمان
فاسمع إذا يا منصفا حكميهما ... وانظر إذا هل يستوي الحكمان
هم عندنا قسمان أهل جهالة ... وذوو العناد وذلك القسمان
جمع وفرق بين نوعيهم هما ... في بدعة لا شك يجتمعان
وذوو العناد فأهل كفر ظاهر ... والجاهلون فإنهم نوعان
متمكنون من الهدى والعلم بال ... أسباب ذات اليسر والإمكان
لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان
لم يبذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان
فهم الألى لا شك في تفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان
والوقف عندي فيهم لست الذي ... بالكفر أنعتهم ولا الإيمان
والله أعلم بالبطانة منهم ... ولنا ظهارة حلة الإعلان
لكنهم مستوجبون عقابه ... قطعا لأجل البغي والعدوان
هبكم عذرتم بالجهالة إنكم ... لن تعذروا بالظلم والطغيان
قال محمد خليل هراس في شرح النونية (2/ 279) شارحا لكلام ابن القيم: "وأما حكمنا فيكم فأنتم عندنا نوعان:
أهل جهالة وذوو عناد وشقاق وعصيان، وبينكم قدر مشترك تجتمعون فيه، وهو أنكم أهل بدعة وضلالة خارجون عن السنة والقرآن، ثم تفترقون بعد ذلك فيما يستحقه كل منكم من وصف الكفر أو الإيمان.
فأما أهل العناد والمشاقة فكفرهم ظاهر واضح للعيان.
وأما أهل الجهالة منكم فإنهم عندنا نوعان: نوع متمكن من الهدى والعلم، قد يسرت له أسبابه من عقل ذكي وبصر نافذ وقدرة على فهم معاني السنة والقرآن، لكنهم مالوا إلى القعود والكسل ورضوا بالتخلف وعطلوا ما وهبهم الله من سلامة العقول، وجودة الأذهان، واستسهلوا الجري وراء غيرهم، يقلدونهم كالعميان، ولم يبذلوا الوسع في إدراكهم للحق لقلة اكتراثهم بهذا الشأن.
فهؤلاء لا يشك أحد في أنهم فساق، لخروجهم عما كان ينبغي لهم من النظر الذي هو خاصة الإنسان، وأما تكفيرهم ففيه لأهل السنة قولان، ولكن المؤلف اختار الوقف في شأنهم، فهو لا يصفهم بكفر ولا إيمان فكل بواطنهم إلى الله العليم بالسر والإعلان، ويحكم عليهم بما يظهر جهرة بلا كتمان، ونعلم أنهم مستوجبون للعقاب لما ارتكبوه في حق الموحدين المثبتين من بغي وعدوان"
وقال الشيخ أحمد ابن إبراهيم بن عيسى في توضيح المقاصد (2/404): "حاصل كلام الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل والذي بعده تقسيم أهل الجهل والتعطيل إلى قسمين أهل عناد وجهال، ثم قسم الجهال إلى قسمين القسم الأول متمكنون من الهدى والعلم بالأسباب المتيسرة، ولكن اخلدوا إلى الجهالة واستسهلوا التقليد، والقسم الثاني من الجهال أهل عجز عن بلوغ الحق مع حسن قصد وإيمان بالله ورسوله ولقائه، ثم قال وهم إذا ميزتهم حزبان الأول قوم أحسنوا الظن بما قالته الأشياخ وأهل الديانة عندهم ولم يجدوا سوى أقوالهم فرضوا بها، والضرب الثاني من هؤلاء فطالبوا الحق لكن صدهم عن علمه أنهم طلبوا الحقائق من سوى أبوابهم وسلكوا طرقا غير موصلة إلى اليقين، فتشابهت الطرق عليهم وصاروا حيارى، فأما القسم الأول وهم أهل العناد والعياذ بالله فحكم بكفرهم وقد أشار إلى ذلك بقوله في هذا النظم ... فالكفر ليس سوى العناد وردما قال الرسول لأجل قول فلان، وأما القسم الأول من الجهال وهم المتمكنون من الهدى والعلم ولكنهم أخلدوا إلى التقليد ولم يبذلوا وسعهم في طلب الحق فهؤلاء حكم الناظم بفسقهم، وأما الكفر ففيه قولان واختار الوقف، وأما القسم الثاني وهم أهل العجز عن بلوغ الحق مع إيمانهم بالله ورسوله ولكنهم قلدوا المشايخ وأهل الديانة وقال فيهم الناظم ... فأولاء معذورون إن لم يظلموا ... ويكفروا بالجهل والعدوان ...
أي إنهم وإن عذروا بالجهالة فهم غير معذورين بالظلم والطغيان والطعن في قول الرسول ودينه، والشهادة بالزور والبهتان، واستحلال قتل مخاليفهم من المثبتة الذين أثبتوا ما أثبته الله ورسوله من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
=
=
ودعوى أنهم أهل شرك وكفر فإن الخوارج لم يحل قتالهم إلا لما ارتكبوه من العصيان واستحلال قتال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهم مع عبادتهم العظيمة، كما قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم. وقد صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه كما قاله الإمام أحمد وغيره، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بقتل الخوارج مع عبادتهم العظيمة فأنتم أيها الجهال المقلدة إذا استحللتم دماء المثبتة أحق من الخوارج بالقتل، والقسم الثاني من هذا القسم فهم الذين طلبوا الحق لكن من غير طرقه وغلب عليهم الشك والحيرة والوقف من غير شك في الله أو دينه أو كتابه ولقائه فقال ... فاؤلاء بين الذنب والأجرين أو ... أحداهما أو واسع الغفران ..."
ابن القيم قسم المخالفين من المعطلة إلا أربعة أقسام:
القسم الأول: قسم المعاندين، وهذا القسم عند بعض الناس لا وجود له إلا في الخيال ولا ينضبط حضوره أبدا، وقد كان الناس يستدلون عليه بقرائن مثل أن يذكر مذهب السلف ومذهب الخلف ويختار مذهب الخلف، أو أن يرد عليه عالم سني متمكن أو غيرها من القرائن.
القسم الثاني: قسم المعرضين، وهم أناس عندهم علم وفضل وفهم ولكنهم آثروا تقليد الشيوخ فهؤلاء لا شك في فسقهم وفي تكفيرهم لأهل السنة قولان واختار المصنف التوقف والكلام على تكفير المعين لأن تكفير المقالة أمره منتهي، فما جاء التفصيل إلا بعد أن حكمنا بكفر المقالة.
قال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في شرح النونية: "وقوله عندي يبين أن عدم تكفيرهم ليس أمرا مجمعا عليه لكنه اختياري، وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب فإن الصحيح من المذهب تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن أو نفي الرؤية أو الرفض ونحو ذلك وتفسيق المقلد.
قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية رحمه الله الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها كمن يقول في خلق القرآن أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينا أو يقول إن الإيمان مجرد الاعتقاد وما أشبه ذلك، فمن كان في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره، نص أحمد على ذلك في مواضع انتهى
فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم".
القسم الثالث: العاجز عن معرفة الحق لعدم وجود من يعرفه بذلك، وإنما قلد وهذا هو العامي فهذا معذور إن لم يقلد بالبغي والطغيان على أهل السنة.
القسم الرابع: العاجز المتحير لأنه لا يعرف الطريقة الصحيحة وإنما حار بين طرق مختلفة.
اليوم بعض الناس جعل علماء أهل التعطيل من القسمين الأخيرين! مع أن حالهم لا يناسب ذلك، وفي مسألة مثل مسألة العلو هل يتصور وجود عوام يقولون بهذا القول، حتى قال الغزالي في إلجام العوام أن عقيدتهم لا يعتقدها إلا واحد بالألف، وقال العز بأن التجسيم مما تعم به البلوى.
فابن القيم ذكر المعاند الذي بلغته الحجج وخالفها، وذكر الذكي الفاهم الذي آثر تقليد الشيوخ ولم يسمع أدلة الحق، وذكر الذي كفر أهل السنة واعتدى عليهم فأخرج كل هؤلاء من العذر -إلا المقلد المعرض فهذا توقف فيه وتكلم عن قول معتبر بتكفيره-
قال ابن القيم في النونية: يا قومنا والله إن لقولنا ... ألف تدل عليه بل ألفان
عقلا ونقلا مع صريح الفطرة ال ... أولى وذوق حلاوة الإيمان
كل يدل بأنه سبحانه ... فوق السماء مباين الأكوان
أترون أنا تاركو ذا كله ... لجعاجع التعطيل والهذيان.
فمسألة عليها أكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، الأصل في العلماء الذين خالفوا فيها أنهم من قسم العاجز عن بلوغ الحق! هذا قول مجرد حكايته تغني عن رده، بل الأصل أنهم ليسوا من هذا القسم ومن ادعى لحوقهم بهذا فعليه البينة، فنفي وجود القسمين الأخيرين في المنتسبين للعلم أقرب للعقل والنظر من نفي وجود الأوّلين.
قال الشيخ ابن سحمان في كشف الأوهام والالتباس معلقا على تقسيم ابن القيم وقد استدل به: "وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه ونفي أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت".
وطالب العلم لا يركن إلى التقليد بل يعلو بسنده خصوصا في القضايا الكبرى على وصية الأئمة (خذ من حيث أخذنا) ولكن لا يهمل كلام من تأخر دون تقليد ولا يرضى أن ينسب ما لم يقل.