هل هي شماتة أم عبرة حتى لا تتكرر المشكلة؟
هل هي شماتة أم عبرة حتى لا تتكرر المشكلة؟
حين نجد إنساناً منتسباً إلى بعض الفرق الضالة مع نزعة حداثية بغيضة يعلن تركه للدين، فإن من الناس من يحاول الربط بين عقيدته القديمة وتركه للدين، ومن الناس من يرى ذلك غير مناسب، وأن الأمر فتنة لا تختص بفرقة دون فرقة، وأن هذه مزايدة لا طائل تحتها، وهي أقرب للشماتة وتزكية النفس وكأنها معصومة من الضلال.
والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا بأس من الاعتبار ببعض أحوال من انحرف انحرافاً بعيداً، وذلك أن الانحراف مراتب، ومن ولج في درجة من درجاته كان مرشحاً للتي تليها، وهذا لا يعني أن غيره معصوم من الانحراف، ولكن هذا مرشح أكثر من غيره.
فعلى سبيل المثال: لو أن امرأة تحمل الأفكار النسوية ثم تزوجت، ووجدناها طلقت في وقت قياسي، ولم نجد ما نفسر به هذه الظاهرة سوى أن أفكارها النسوية الغالية قد آذتها، ودمرت حياتها الزوجية، ما حصل معها قد يحصل مع غيرها ممن ليست نسوية، ولكن احتمال وقوع ذلك في النسويات أكبر.
فهذا هرقل حين سأل أبا سفيان: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا.
ثم بعدها قال هرقل: وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وقد يقول قائل: ماذا عن أهل الردة؟ فيقال: كثير من هؤلاء ما خالط الإيمان بشاشة قلوبهم حقاً، وهرقل كان يتكلم عن الذين آمنوا في زمن الاستضعاف، وهؤلاء أصدق الناس إيمانا في غالبهم، ثم إن الردة التي حصلت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن كفراً بالرسالة، وإنما تحريفاً لها مع دعوى الإيمان بها، وهرقل كان يقصد الردة إلى الوثنية، والردة التي لا يكون مبناها طمع أو شهوة وإنما حقائق استبانت، والكلام هنا أغلبي
وقال الفريابي في القدر 362 - حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا ابن عون قال: كان محمد «يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء»
وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية مبيناً خطورة علم الكلام: "ولما كان مآل هؤلاء إلى السفسطة؛ التي هي جحود الحقائق وجحود الخالق، وكان لا بد لهم من النفاق، كان تنبيه من نبَّه من الأئمة، كمالك وأحمد وأبي يوسف وغيرهم، على أن كلام هؤلاء جهل، وأن مآله إلى الزندقة: كقول أحمد: علماء الكلام زنادقة، وقول أبي يوسف ويروى عن مالك: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب، وقول الشافعي: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.
ولما كان الرد إلى ما جاءت به الرسل، يؤول بأصحابه إلى الهدى والصلاح، قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ".
وقد نبهت مراراً وتكراراً على أن فكرة التعامل مع خلافيات أهل الملة الكبرى بـ(تكافؤ الأدلة) يؤدي ضرورة إلى الإيمان بتكافؤ الأدلة في خلافيات أهل الملل، وبالتالي يمرق الإنسان من الدين بالكلية.
وقال ابن تيمية في التسعينية (3/773): "وقد قيل: إن الأشعري في آخر عمره أقرَّ بتكافؤ الأدلة، واعتبر ذلك بالرازي فإنه في هذه [وهي] مسألة حدوث الأجسام -يذكر أدلة الطائفتين، ويصرح في آخر كتبه وآخر عمره، وهو كتاب "المطالب العالية" (6) بتكافؤ الأدلة وأن المسألة من محارات. العقول (1).
ولهذا كان الغالب على أتباعهم الشك والارتياب في الإسلام (تأمل هذه الكلمة والشيخ يتكلم عن غالب أتباع الرازي) ، كما حدثني من حدثه ابن باده أنه دخل على الخسرو شاهي -وهو أحد تلامذة ابن الخطيب - الذي قدم إلى الشام ومصر، وأخذه الملك الناصر صاحب الكرك إلى عنده، وكان يقرأ عليه، حتى قيل: إنه حصل له اضطراب في الإيمان من جهته وجهة أمثاله.
قال: دخلت عليه بدمشق، فقال لي: يا فلان ما تعتقد؟ قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون، قال: وأنت جازم بذاك وصدرك منشرح له قلت: نعم، قال: فبكى بكاء شديدًا عظيمًا، أظنه وقال: لكني والله ما أدري ما أعتقد؟ لكني والله ما أدري ما أعتقد؟ لكني والله ما أدري ما أعتقد (5)؟".
فابن تيمية يذكر حيرة المتكلمين أتباع الرازي ليس على جهة الشماتة وإنما على جهة الشفقة عليهم، والتحذير للناس من اتباع خطواتهم، وكرر الشيخ في مناسبات عديدة تلك الكلمة المأثورة (أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام)
وقال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (13/180) : "وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع حتى أنه صنف الرازي كتابا في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر سماه " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم".
=