كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مشكلة اختصار الآثار..

المصدر
مشكلة اختصار الآثار.. كنت قد نبهت في مقال سابق على قول جماعة من الفقهاء بأن الزانية إذا كانت متزوجة فإن زوجها لا يقع عليها حتى يستبرئها بحيضة واحدة. وقلت أن هذا هو المناسب لمقاصد الشريعة في حفظ الأنساب وفقه الاستبراء وإن كان شيخ الإسلام يرى أنه لا يمسكها أبداً فجاءني تعقب أن هذا الكلام خلاف كلام أبي بكر وعمر، وذكر هذا الكلام الذي قاله بعض الفقهاء المعاصرين ونصه: «وليس عليها عدة، بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ولا تستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج». أقول: الله المستعان هذا الكلام قرأته من سنوات طويلة واستغربته وحين رجعت للآثار وجدت أنها لا علاقة لها بكلام الشيخ ولا تخدم مقصوده ولهذا أشرت إشارة في مقالي السابق أن ما نقله عن الصحابة غير دقيق، وقبل إيضاح الإشكالية أود التنبيه على الفرق بين العدة والاستبراء. فالعدة تكون ثلاث حيضات أو وضع حمل وتمنع من دخول المرأة تحت رجل غير الذي وقع عليها بعقد الزوجية أو غيره بزواج أو ملك يمين. وأما الاستبراء فيكون حيضة أو وضع حمل ويمكن أن يكون بعد دخولها في ملكه إن كانت ملك يمين فهو يملكها ولكن ينتظرها حتى تحيض أو تضع الحمل وفي قول بعض الفقهاء في الزانية التي يقام عليها الحد وتظهر التوبة ويتزوجها غير من زنا بها قبل أن تتحقق طهارة رحمها فلا يقع عليها حتى تحيض. الإشكال جاء من اختصار الآثار فإن بعض الفقهاء يختصر الآثار فإذا رجعت إليها وجدتها أخص مما ادعى فيها أو أعم. قال ابن المنذر في الإشراف: م 3380 - اختلف أهل العلم في الزانية هل عليها عدة أم لا؟ فقالت طائفة: لا عدة عليها، هذا قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقد روي معنى هذا القول عن أبي بكر، وعمر، ولا نعلم أن أحداً من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - خالفهما. وقال الحسن البصري، والنخعي: عليها العدة. وقال مالك: لا ينكحها أحد حتى يستبرئها. انتبه إلى أن نفي العدة لا يعني نفي الاستبراء فالعدة ثلاث حيضات والاستبراء حيضة حتى لا تظن أن هناك فقيهاً أباح اجتماع عدة مياه في رحم واحد ولكن أثر أبي بكر وعمر هل يدل على ما نقله ابن المنذر بهذا الإطلاق، وهل يدل على أن الأمر يدخل فيه حتى المتزوجة؟ قال الشيباني في الحجة على أهل المدينة: "الحديث المعروف عن ابي بكر رضي الله عنه انه حد امراة بكرا ورجلا بكرا في زناهما ثم زوجها منه ولم يبلغنا انه ذكر استبراء ولا عدة وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثله". قال سعيد بن منصور في سننه 1916 - حدَّثنا سفيانُ, عن عبيد الله بن أبي يزيد, [عن أبيه], أن رجلا تزوج امرأة ولها ابنة, وله ابن, ففجر بها, فقدم عمر مكة, فرفعا إليه, فحدهما, وحرص أن يجمع بينهما, فأبى الغلام ذلك. وقال أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ 174 - حدثنا أبو عبيد ق‍ال: حدثنا يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أو صفية: أن أبا بكر رضي الله عنه أرسل إليهما أو سألهما فاعترفا «فجلدهما مائة، مائة، ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ونفاهما سنة» أقول: فالخبر كما ترى في ذكر وأنثى أبكار، زنيا وأقيم عليهما الحد فيريد الإمام أن يجمع بينهما بالحلال كما اجتمعا في الحرام ، ما علاقة هذا بما لو أراد رجل آخر غير الزاني أن يتزوجها؟ لا شك أنه لا بد أن يستبرئها لئلا يجمع ماءه وماء الزاني في رحمها والأمر نفسه في المتزوجة فأثر أبي بكر وعمر واضح أنه مع أمن اجتماع ماءين في رحم وصاحبها الذي زنا بها هو من سيتزوجها فهو المستيقن دخوله بها أولاً وأخيراً وما سواه شك بعيد بخلاف حال إذا أراد غيره الدخول بها أو كانت ذات زوج فإنه سيكون كلاهما دخوله بها مستيقن ويا ليت شعري يتنازع الناس في الجارية البكر هل تستبرأ أو لا تستبرأ وهي بكر ثم نقول بعد ذلك أن الثيب من الزنا لا تستبرأ ؟! فظهر مما سبق أن الكلام المذكور في المذهب من وجوب استبرائها هو المتعين وأن تعقب هذا الشيخ المعاصر خطأ ووهم وهذا الخطأ انتشر في الناس انتشار النار في الهشيم والله المستعان نسأل الله عز وجل العفو والمغفرة لمن بذل الوسع وحسن قصده.