هل يجوز للزوجة كتمان ابن الزنا عن زوجها؟
هل يجوز للزوجة كتمان ابن الزنا عن زوجها؟
على إثر عدة حوادث في الشرق والغرب ثبت فيها أن أولاد الزوج ليسوا له وإنما لرجل آخر من خلال البصمة الوراثية أو اكتشاف الرجل أنه لا ينجب الأولاد، فهنا اشتعل جدل فقهي في أمر نسب هؤلاء الأولاد وهل يجوز أن ينسب هؤلاء الأبناء لغير أبيهم حقاً؟
هناك نقاط متفق عليها:
أولاً: إذا ثبت زنا الزوجة أو اعترفت فعليها الرجم.
ثانيًا: أن الزوج إذا انتفى من الولد ولاعَنه لا يُنسب له الولد.
غير أن البحث في امرأة زنت وعلمت أو شكت أن هذا الولد ممن زنا بها وليس من زوجها ثم تابت بعد ذلك، فهل تصح توبتها وإن لم تخبر الزوج بالحقيقة؟
وجدت كثيرين يقولون بجواز ذلك، ويستدلون بحديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وهذا غير دقيق في تقديري.
فإنه من المعلوم تشديد الشريعة في باب حفظ الأنساب وشرع تحريم الزنا وأحكام الاستبراء وأحكام اللعان من أجل حفظ النسب ولا يليق في الشريعة أنها تنهى عن شيء وعن ذريعة هذا الشيء ثم تجيز الإبقاء على نتيجته!
ووجه الاشتباه والله أعلم الخلط بين الخطاب الفقهي الموجه للقاضي والخطاب الموجه لأفراد المتنازعين، والخلط بين التوبة في الأمور التي في حقوق الله المحضة والتوبة في حقوق الله التي فيها مدخل للبشر.
وبالمثال يتضح البيان: لو أن شخصاً أقرض آخر مالاً ولكنه لم يشهد على هذا القرض وحان وقت السداد فجحد المقترض فذهب المقرض إلى القاضي فسأله القاضي البينة فلم تكن عنده بينة.
فسأل القاضي الفقيه: بماذا أحكم؟ فقال له الفقيه: لا يثبت القرض إلا ببينة وعليه فالبينة على من ادعى واليمين على من أنكر فحلف المقترض أنه ما اقترض وانتهت القضية أنه لا حق عليه، ثم تاب بعد زمن فهل يكفي التوبة والاستغفار من يمينه ومن أكل أموال الناس بالباطل أم لا بد من إرجاع المال للمقرض؟
لا شك أنه لا بد من إرجاع المال للمقرض والقاضي إنما عمل بما أمامه من البينات.
الآن لنسقط هذا المثال على حالنا: هناك زوج له حق على زوجته أن تحفظه في نفسها وهذا نظير حق المقرض على المقترض، فلو جاء الزاني وادعى الولد فقد يقال (الولد للفراش) قضائياً لأن القاضي هذه هي البينات التي أمامه، أمامه شخص يشهد على نفسه بالفجور وبالتالي عدالته ساقطة يدعي ولداً هو في الأصل لآخر،
فالقاضي يخاطبه الفقيه بقوله: احكم بحديث الولد للفراش إلا إذا شك الزوج وانتفى من الولد باللعان.
المرأة تعلم صدق الزاني أو حتى لو لم يأتِ الزاني فهي عالمة بأن هذا ولد الزاني وليس ولد الزوج، ثم تابت من الزنا ومن إدخال ولد على قوم هو ليس منهم فهل تكفي التوبة بينها وبين الله أم لا بد من الاعتراف للرجل بأن هذا الولد ليس ولده لكي لا تختلط الأنساب وتذهب الحقوق فيشارك أهله بميراثه وغير ذلك؟
البديهي أن يقال أنها لا بد من أن تخبر الزوج كما أن الزوج لو انتفى من ولده ظلماً ثم تاب فلا بد أن يرجع ويعترف به ولكننا اليوم التمييز الإيجابي داخل حتى في الفقه.
وقوله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر ) هذا في حال التنازع بين بينات وهو خطاب للقاضي وليس خطاباً للمرأة التي تعرف من هو أب الولد، كما قوله (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) هذا خطاب في حال التجاحد وتعارض البينات وهو للقاضي وليس للإنسان الذي يعرف أن لغيره عليه حقا فهذا يجب عليه شرعاً الاعتراف وألا يجعل صاحب الحق يحتاج للشهود حتى.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن فعل هذه المرأة من الكبائر وأن فعلها تفريط في حق الرجل؟
قال أبو داود في سننه 2263 - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو يعني ابن الحارث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين».
وهذا الخبر ضعفه بعض المتأخرين وفرح لهذا التضعيف بعض الناس! والواقع أن الخبر احتج به الشافعي في كتبه وأورده النسائي في الصغرى ويشهد لمعناه حكم اللعان
فما كان الشارع ليجعل المرأة تلعن نفسها إلا لشيء عظيم وعامة اللعان لأجل الانتفاء من نسب الولد
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[الممتحنة]
=