كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

غنيٌّ عن العالمين وليس غنيًّا عن العدم!

المصدر
غنيٌّ عن العالمين وليس غنيًّا عن العدم! من الأسئلة السوفسطائية: لماذا خلق الله الخلق وهو غني عن العالمين؟ والجواب: ولماذا لا يخلق خلقًا وهو قادر على ذلك؟ ونحن هنا برهان عليه. ولا يقال (غني عن العالمين) حتى يكون هناك عالم أصلًا. فالكمال أن تكون مستغنيًا عن شيء موجود، وهذا الوارد في النص. وإذا كان الشيء لا يوجد إلا بعد خلقه، فالغنى عن العالمين متلازم تمامًا مع خلق هذا العالم. وما داموا وُجدوا فإن لخالقهم عليهم حقوقًا تتحقق بها آثار أسمائه وصفاته، فالرحيم والعفو والغفور كلها حين يكون له حقوق على الخلق فيقصرون فيها ثم يستدركون أو هو يتفضل، وكذلك كونه شديد العقاب سبحانه، فكل صفات الجلال والجمال كذلك، ومن لا حقوق له فهو شبه العدم أو العاجز أو الجماد. فغناه سبحانه كما أوضحه: "ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون". فهو يوجدهم ويطعمهم ويسقيهم، وهم مفتقرون له سبحانه في كل ذلك. هذا هو الاستغناء عنهم، وليس الاستغناء عنهم بمعنى أنه لا يخلقهم ولا يرزقهم ولا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرحمهم ولا يعفو عنهم ولا يغفر لهم ولا يعاقب المسيء منهم كما يفهم الملحد. فهذا استغناء عن كمالاته سبحانه، بل هو استغناء عن العدم وليس هذا من الكمال في شيء، فالله عز وجل أظهر كماله بكماله. وهكذا دائمًا شبهات الملاحدة تلتقي مع شبهات الجهمية، تشبيه لله بالعدم أو الجمادات بحجة تنزيهه عن مشابهة المخلوقات الحية، مع أنه سبحانه متعالٍ عنها كلها. فهو لا يشبه العدم أو الجمادات سبحانه، فهو يفعل ما شاء متى شاء، ويخلق والمخلوقات مفتقرة إليه. ولا يشبه الحي الذي الحاجة عنده أم الاختراع واختراعاته لغرض البقاء أو الرفاه. بل هو سبحانه يوجِد كل شيء وهو حي لا يموت وقيوم على الأشياء. وغني عن هذه الموجودات التي أوجدها، لا يبلغون ضره، ولو آمن جميعهم أو كفروا ما زاد ذلك في ملكه أو نقص وما أخرجهم عن ثوابه أو عقوبته. وبعض الناس تجده غاضبًا من كون أكثر الناس في النار، وكأنَّ الله أجبرهم على ذلك. فإذا كانت كثرتهم حجة عندك على أنهم ما أُنصفوا على عقليتك الديمقراطية، فمعظم الناس -أو كثير منهم جدًّا- تاريخيًّا يؤمنون أنهم على الحق وأن غيرهم على الباطل ولهم الثواب ولغيرهم العقاب وإن كانوا أكثر منهم، فحجتك منتقضة ذاتيًّا لأن الأكثرية ينازعونك وأنت تحكم عليهم بالبطلان أو كثير من الناس مرشحون أن يكونوا أكثرية في أي لحظة. وليعلم أن الأمر عند رب العالمين ليس بالعدد، فالرجل من أهل الإيمان بملء الأرض من أهل الكفر. وفي كثرة أهل الكفر حكمة -وإن لم يُجبروا على ذلك- وهي اتساع رقعة جهاد أهل الإيمان وتعويلهم على البراهين لا محاكاة الأكثر، وهذه عبودية خاصة يحب الله أن يتحقق بها عباده الصالحون ولها لذتها في قلوبهم.