أخي الداعية الفاضل هل حصل معك ما حصل معي؟..
أخي الداعية الفاضل هل حصل معك ما حصل معي؟..
الذي حصل معي وأتساءل إن كان حصل معك هو ما يلي :
1_ تأتي فتاة وتشتكي تأخر الزواج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وربما كان الحديث عن بعض أسباب ذلك في تقديرها مثل إعضال الوالد أو كونها مصابة مرض معين أو أي معنى آخر
ولا شك أنك تتفاعل مع الشكاية ويخطر في بالك الكثير من الخواطر والنصائح التي توجه للوالدين والمجتمع ككل في تيسير أمر الزواج وربما سعيت في تزويجها إن كان لك مقدرة على ذلك خصوصاً مع ما تراه من أثر الأمر على نفس الشابة ( والواقع أن أثره يتفاوت بحسب استقامة الفتاة النفسية وحالتها الإيمانية )
2_ تأتي امرأة متزوجة ولكن عندها تعذر في الإنجاب وتسأل عن جواز استخدام بعض الوسائل الحديثة التي يعالج بها تعذر الإنجاب أو يكون الزوج هو من يسأل أو تكون استشارة نفسية متعلقة بتكدر الحياة الزوجية بسبب هذا الأمر
ولا شك أنك تتفاعل مع هذا الأمر وتأخذك العاطفة كل مأخذ ولا تظن بدعائك لهم أن يرزقهم الله الذرية الصالحة
3_ تأتي امرأة متزوجة ولكنها تشتكي من سوء العلاقة مع زوجها أو أهله وهذا في الغالب يبدأ باستفتاء في قضايا الطلاق ثم يتحول الأمر إلى استشارة أسرية تدخل فيها في تفاصيل حياة الناس ويكون العمل شاقاً جداً أن تغلط الغالط وتعرفه غلطه دون أن الطرف الآخر يحتقن عليه ويهدم العلاقة من أصلها فتحتاج إلى درجة عالية من التوازن الخطابي
4_ تأتي امرأة ذات زوج وأولاد وعلاقتها مع زوجها مستقرة ولكنها تشتكي ضعف الحالة المادية وفي الغالب يكون الزوج مريضاً وأحياناً يكون بعض الأولاد مصاباً بمرض مزمن وهنا في العادة يكون عملك البحث عن محسن ليساعدهم أو يوفر عمل للزوج يناسبه والوعظ والتصبير والتذكير باحتساب الأجر في الابتلاء
وحقيقة مثل هذه الحالات من أكثر ما يؤثر في النفس خصوصاً وأن ترى في مسألتها ضعف الأنوثة وحنان الأمومة وحب الزوجة كلها ذلك مخلوط بذل المسألة في تركيب عجيب يتشقق منه الحجر شفقة
5_ تأتي امرأة ذات زوج وأولاد وكفاية في العيش والحمد لله ولكنها تشتكي فسق زوجها أو خيانته الصريحة لها وتكون متعلقة به وهنا تلح عليك بأن تنقذ لها زوجها من هذا الوحل النجس الذي هو غارق فيه ويشتد عليك الأمر إن كان الزوج يأبى أن يمد لك يده لتحاول إنقاذه وهنا يبدأ الوعظ والتصبير والحديث عن التعلق المرضي بالآخرين مما يجعلنا نؤذي أنفسنا بسبب ذنوب لم نرتكبها
6_ امرأة متزوجة وعندها ذرية وحالتها المادية مستقرة وزوجها مخلص لها تأتي بعد سنوات من الزواج لتعلن أنها لم تعد قادرة على الاستمرار مع زوجها وتذكر أسباباً واهية وضعيفة لا تقارن بأحوال السابقات وهذه حال تتكرر هذه الأيام والتعامل مع هذه المرأة أصعب من التعامل مع كل النساء السابقات بل مساحة التفاهم معها ضيقة جداً
فما السبب وقد حصلت ما تتمناه كل الأخريات ؟
السبب الحقيقي هو أنها حصَّلت ما تتمناه الأخريات !
وشرح هذا المعنى : أن المتشبع بفكرة الفردوس الأرضي ( وقد تشبع بها الكثير من الذكور والإناث ولكن كثر الأمر في الإناث للعاطفية وقوة التأثر بالروايات الرومانسية ) ، هذا المتشبع يكون في أسوأ حالاته حين يحقق كل أمانيه ثم يتفاجأ أن الدنيا لم تتحول إلى فردوس وهنا تصير أدنى مشكلة تؤثر في نفسه جداً لأنها تشكل تحطيماً لفكرة الفردوس الذي طالما حلم به
لهذا ترى الانتحار منتشراً في الدول الاسكندنافية التي تعتبر مثالية وفقاً للقيم الغربية ولهذا المائلين للإيمان بالأفكار اليسارية أميل للاكتئاب والانتحار كما تذكره بعض الدراسات
حين نذم للناس فكرة الفردوس الأرضي لا نريد تكدير عيشهم بالعكس الإنسان إذا أزال هذه الفكرة من رأسه وفكرة وهم الكمال فإنه يمكنه تقدير النعم والاستمتاع بها كما ينبغي وأما الابتلاءات فأعظم ما يعينه على حسن التعامل معها علمه أن هذه الدنيا لا تخلو من ذلك فأمرها كأمر الحر والبرد وإن هو احتسب وصبر استحال هذا الابتلاء نعيماً في الآخرة بل ما يجد المرء من الأنس بالله وهو يتعزى به سبحانه في ابتلاءاته نعيم عظيم لمن عرفه
النسوة الأخريات لا زلن يمشين في الطريق لهذا التفاهم معهن ميسور ولكن تلك التي وضعت في ذهنها فردوساً معيناً ثم لمَّا أصابته وجدت أن الدنيا لا زال فيها ما فيها بل الغنم بالغرم فكل نعمة معها إما حسد أو ابتلاء أو خوف زوال ولا يحصل المرء النعيم التام إلا بحمد الله على النعم فتضمن أن هذه النعمة رصيد لك في الآخرة في تحصيل النعيم المقيم الذي لا كدر فيه
ومما ساهم في تحطيم نفسية الكثيرات مواقع ( سنابات المشاهير ) التي أوهمت الناس أنهم يعيشون في فردوس أرضي فصارت تلك الحالمة بالفردوس الأرضي التي تعبت وشقيت في مراحله تحتقر ما عندها من النعمة لأنها ليست كالمشهورة الفلانية ثم يسهل عليها هدم كل شيء لأسباب تافهة مع ضعف تقدير للنعم التي يتمناها الآلاف بل الملايين غيرها.
لطيفة: توثيق أقدم تأثير إسلامي على الأوروبيين في المجال التشريعي.
قال ابن الأثير في الكامل في التاريخ (8/348) :" ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة أدت إلى القتال، ثم زاد الشر بينهم، فاجتمع أيوب وعلي أخوه، ورجعا في الأسطول إلى إفريقية سنة إحدى وستين وأربعمائة، وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية، ولم يبق للفرنج ممانع، فاستولوا على الجزيرة، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، فحصرهما الفرنج، وضيقوا على المسلمين بهما، فضاق الأمر على أهلهما، حتى أكلوا الميتة، ولم يبق عندهم ما يأكلونه فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج، وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم، فتسلمها الفرنج، لعنهم الله، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين، ولم يترك لأحد من أهلها حماما، ولا دكانا، ولا طاحونا.
ومات رجار، بعد ذلك، قبل التسعين والأربعمائة، وملك بعده ولده رجار، فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب، والحجاب، والسلاحية، والجاندارية، وغير ذلك، وخالف عادة الفرنج، فإنهم لا يعرفون شيئا منه، وجعل له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم، ولو من ولده، وأكرم المسلمين، وقربهم، ومنع عنهم الفرنج، فأحبوه، وعمر أسطولا كبيرا، وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية، مثل مالطة، وقوصرة، وجربة، وقرقنة، وتطاول إلى سواحل إفريقية، فكان منه ما نذكره إن شاء الله"
أقول : فكرة ديوان المظالم فكرة إسلامية وكانت مشهورة في زمن العباسيين والأمويين وراجار بن راجار هذا يبدو أنه كان يبطن الإسلام ولكنه أخفاه خوفاً من قومه
فتشبهه الشديد بالمسلمين يوحي بذلك وهذا نظير ما حصل في الغزو التتري فإن المنتسبين للملة منهم من تأثر التتر حتى في ياسقهم ومنهم من ثبت حتى كان هو المؤثر في التتر مع أن القوة بيد التتر
وكثير ممن يستسلمون لفكرة حتمية تأثير العامل السلطوي يسوقون من حيث لا يشعرون للمحكوم أن يكون على دين الحاكم ويهونون من شأن ثباته إن هو غلب فإن هذا الثبات له أثر عظيم وقد يجعلك أنت المؤثر مستقبلاً والثبات والحفاظ على القدر المستطاع وعدم الاستهانة به بحجة أن السلطة العليا ليست بأيدينا هو مفتاح التغيير
قال القلقشندي في صبح الأعشى وهو يتكلم عن القرامطة العبيديين الذين حكموا شمال افريقيا مدة طويلة (3/598) :" وكانوا يتألّفون أهل السّنّة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد على مخالفة معتقدهم في ذلك بذكر الصحابة رضوان الله عليهم، ومذاهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشّعار في مملكتهم، بخلاف مذهب أبي حنيفة، ويراعون مذهب مالك، ومن سألهم الحكم به أجابوه"
أقول : قد يكون مثل هذا الكلام مستغرباً فإنه من المشهور أن القرامطة بطشوا بأهل السنة وفي وقت من الأوقات منعوا قراءة الحديث وتداول الموطأ وأنهم قتلوا عددا من العلماء وهذا كله حق
ولكن الناس لما صمدوا وما استسلموا جاء من العبيديين من قرر تألف الناس ومصانعتهم ووضع القضاة من أهل السنة وإن كان الغالب عليهم سوء السيرة
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء :" قال أبو الوليد الباجي: عبد الغني بن سعيد حافظ متقن، قلت لأبي ذر الهروي: أخذت عن عبد الغني؟ فقال: لا إن شاء الله. على معنى التأكيد، وذلك أنه كان لعبد الغني اتصال ببني عبيد-، بعني أصحاب مصر.
قال أحمد بن محمد العتيقي: كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، ثقة مأمونا، ما رأيت بعد الدارقطني مثله.
قلت: اتصاله بالدولة العبيدية كان مداراة لهم، وإلا فلو جمح عليهم، لاستأصله الحاكم خليفة مصر، الذي قيل: إنه ادعى الإلهية. وأظنه ولي وظيفة لهم، وقد كان من أئمة الأثر، نشأ في سنة واتباع قبل وجود دولة الرفض، واستمر هو على التمسك بالحديث، ولكنه دارى القوم، وداهنهم، فلذلك لم يحب الحافظ أبو ذر الأخذ عنه.
وقد كان لعبد الغني جنازة عظيمة تحدث بها الناس، ونودي أمامها: هذا نافي الكذب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم".