كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

آيات في نقض أفكار تمييعية تركت الدين أرق من ثوب سابري

المصدر
آيات في نقض أفكار تمييعية تركت الدين أرق من ثوب سابري "تركوا الدين أرق من ثوب سابري" كلمة قالها السلف الكرام في المرجئة، أي أنهم جعلوا الدين كأنه ثوب رقيق، وجوده كعدمه، لا يستر عورة لرقته. اليوم يفشو في الناس عدة أفكار عجيبة.. أولها: أن ضلال الناس أو كفرهم ناشئ عن العناد حصرًا، وهذا لا يمكن كشفه إلا بعسورة، وكل جهل يعذر فيه الإنسان، لا فرق بين جهل العاجز وجهل المتمكن من العلم المعرض عنه. ثانيها: أنه لا فرق بين المذنب العاصي المعترف بالذنب والإنسان المستكبر الذي يذنب ويسبُّ الطاعات وأهلها، ويزعم أن الدين على غير ما هم عليه، كالمرأة التي تترك الحجاب وتصف المحجبات بالتخلف، يجعلونها كامرأة تبرجت شهوةً وإذا دعوتها قالت لك ادع الله أن يهديني. فهم يجعلون هؤلاء مرتبة واحدة، وحرمتهم واحدة. وهكذا يخلطون بين المكفر والمفسق حتى في باب البدع والأقوال، فيجعلون أصحاب البدع المكفرة شأنهم شأن أصحاب البدع المفسقة، ولا يهتمون لدراسة الفرق بينهم وفقًا لكلام السلف. ثالثها: جعل تحريف الدين من باب الآراء، وأن كل رأي عقدي لا يترتب عليه ضرر حسي حاضر على الاقتصاد والسياسة والاجتماع، فهذا أمر يحترم. رابعها: أن معيار التفاضل بين الناس النفع للآخرين، ومعيار عدم التثريب ألا تضر أحدًا، أما العبادات مثل الصلوات أو توحيد الله ككل فهذا شأن شخصي وليس محلًّا لتفاضل الخلق. قال تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة] تأمل هذه الآيات حفظك الله. أما قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} ذمهم الله عز وجل لجهلهم ولم يجعله عذرًا لهم لأنهم قعدوا عن التعلم مع مقدرتهم عليه وتركوا يقين الفطرة إلى ظنون التقليد لمن ليس أهلًا لذلك. وقوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}، فهنا التفريق بين المذنب المعترف ومن ينسب الأمر لله عز وجل، وهذا باب غلط فيه الخوارج وأهل الإرجاء، وفيه أيضًا أن تحريف الدين عظيم وليس رأيًا من الآراء نحترم أهله ونخفف معهم الإنكار. وقوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، فيه أن من البدع ما هو مكفر، وقد عدَّ السلف تحريفات الجهمية من هذا الباب حتى قال ابن خزيمة هذا تبديل لا تأويل، ومثله تحريفات القرامطة. فالبدع منها المفسق الذي مبناه على ترك اتباع السلف وفهم القرآن على غير وجهه مع تأويل متوسط، ومنها المكفر المناقض للنصوص من كل وجه، لهذا هناك قدرية متوسطة وأخرى غالية، ومرجئة متوسطة وأخرى غالية، وشيعة متوسطة وأخرى غالية. ويغلب على الناس اليوم التهوين من شأن الضلالات العقدية إلا ما رحم ربي. وقوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}، فيه أن العمل ضروري للنجاة في الآخرة لا كما يقول القائل (الإيمان في القلب) وتراه يرتكب الموبقات. وقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} فيه أن الواجب ليس دفع الضرر أو كفه فحسب بل الإحسان وهو أمر زائد، وأن التفاضل يكون بالتوحيد أولًا ثم بالعمل الصالح وفيه الصلاة، وهذا لا ينافي الحرص على الإحسان للخلق. وهذه الآيات في سياق موعظة بني إسرائيل الذين حرفوا دينهم. ومَن تدبَّر هذه الآيات وما تدل عليه وجدها أمانًا من تحريف الدين، فاليوم الدين إنما يحرف بالمقدمات المشار إليها أول المقال، ويأتي بعض الناس يردُّون فيقعوا في الغلو إن لم يضبطوا الأمر بالعلم.