هي شفقة وإن رأيتها قسوة.
هي شفقة وإن رأيتها قسوة.
قال آدم بن أبي إياس في العلم والحلم: "66 -حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا الزبير بن خريت، عن عكرمة، قال: إنما جعل ابن عباس في رجلي الكبل -يعني القيد- على تعليم القرآن والحديث".
هذا الأثر رواه ابن سعد في الطبقات، والدارمي في مسنده، وعلقه البخاري في الصحيح، وهو أثر صحيح.
حين تقرأ هذا الأثر وأنت متشبع بثقافتنا العصرية قد يقع في نفسك شيء على ابن عباس، وتراه قد قسا على غلامه عكرمة.
غير أنك إذا أبصرت نتيجة فعله تعلم لماذا فعل ذلك.
عكرمة لم يكن عربياً بل كان بربريا، ولم يكن حراً بل كان عبداً، وأراد له ابن عباس أن يصير سيداً في الناس مع ما سيكون له إن أخلص عند الله عز وجل، إن تعلم القرآن والسنة، فكان يجبره على تعلم هذا الأمر، وإن كان هذا الغلام لا يدرك نفع هذا له في المستقبل.
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/9) : "حدثني سلمة عن أحمد ثنا عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يقول: سمعت أيوب يقول: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة إلى أفق من الآفاق، قال: فإني لفي السوق في البصرة فإذا رجل على حمار. قال: فقالوا عكرمة. واجتمع الناس إليه، قال: فقمت إليه فما قدرت على شيء أسأله، ذهبت المسائل مني، فقمت إلى جنب حماره. قال: فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظ".
وهذا إسناد صحيح.
أيوب السختياني عالم البصرة يقول أنه كان يريد أن يسافر إلى عكرمة، فشاء الله أن يمشي في السوق فيجد أن عكرمة قد جاءهم البصرة، وهذه قد تعد كرامة لأيوب.
فاجتمع عليه الناس يسألونه وبقي أيوب يسمع الأسئلة ويحفظ الأجوبة، هذا المقام العظيم والتوقير لهذا الرجل الذي كان عبداً مملوكاً إنما جاء لعلمه بالكتاب والسنة، الذي كان عبد الله بن عباس يحرص على أن يلقنه إياه، ويشتد عليه شدة الوالد على ولده.
هذا مجرد أنموذج لكثير مما قد تراه قسوة وفي باطنه رحمة، الأمور تُدرك بمآلاتها، وهذه حكمة ابن عباس التي اكتسبها من الوحي، فما بالك بالوحي نفسه، كل ما تراه في الوحي مما تظن أن فيه شدة وعنتاً مآله إلى خير عظيم أو درء شر عظيم.