لطيفة : أقدم مستشفى على الطراز الحديث المعهود عندنا
لطيفة : أقدم مستشفى على الطراز الحديث المعهود عندنا
قال شوقي ضيف في كتابه تاريخ الأدب العربي (7/101) :" وما يلبث أن يلى السلطنة بعد بيبرس المنصور قلاوون (678 - 689 هـ) فينشى بيمارستانا ضخما يقول فيه ابن تغرى بردى: «وهذا البيمارستان وأوقافه وما شرطه قلاوون فيه لم يسبقه إلى ذلك أحد قديما ولا حديثا شرقا ولا غربا » وقد جعله أقساما كبيرة: قسما للمرضى بالحميات، وقسما للرمد ومرضاه، وقسما للجرحى، وقسما لمن به إسهال، وجعل فيه قسما للنساء، وأمكنة للأدوية وتركيبها، وأمكنة لإعداد الطعام وأخرى للمحاصيل، وجعل فيه فراشين لخدمة الرجال وفراشات لخدمة النساء ونصب فيه الأسرّة للمرضى وأمدّها بكل ما تحتاج إليه من فرش. وأهم من ذلك كله أنه جعل فيه قاعة لرئيس أطبائه، كى يلقى فيها دروسه على طلاب الطب (4). وبذلك كان المارستان مستشفى وكلية طب معا، وقد شاهده ابن بطوطة بعد وفاة قلاوون بنحو أربعين عاما سنة 727 للهجرة فقال: «أما المارستان عند قبر قلاوون فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعدّ فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر». ويذكر أن مجباه (نفقاته) كان ألف دينار كل يوم »"
جاء ف ترجمة السلطان قلاوون ( وهو من المماليك ) في فوات الوفيات :" وكسر التتار سنة ثمانين، ونازل حصن المرقب وفتحه سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس، وأنشأ بالقاهرة بين القصرين المدرسة العظيمة والبيمارستان العظيم الذي لم يكن مثله ، وتوفي في سادس القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة ظاهر القاهرة، وحمل إلى القلعة وملك بعده ولده الأشرف، فلما كان مستهل سنة تسع أنزل من القلعة في تابوته إلى تربته، وفرق الذهب على القراء، وكان ملكاً عظيماً لا يحب سفك الدماء، إلا أنه كان يحب جمع الأموال"
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام : وحدثني أبي أنّهُ كَانَ فِي أيّام إمرته ينزل إذا قدِم من مصر بدار الزاهر، قَالَ: فأخذوا مني له ذهباً، فذهبت لأطالبه فإذا به خارجٌ في الباب، فقال: إيش أنت؟ قلت: يا خَوَنْد لي ثمن ذَهب. فقال: أعطوه أعطوه. ووصف لي نغمته،
وأنه منعجم اللّسان، لا يكاد يفصح بالعربية وذلك لأنّه أُتي بْه من التُّرك وهو كبير.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية :" كسر التتار على حمص في سنة ثمانين، فأحبه الناس، وفتح المرقب في سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمان وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز لها، فعاجلته المنية في السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين التي ليس بديار مصر ولا بالشام مثلها، وفيها دار حديث ومارستان، وعليها أوقاف دارة كثيرة عظيمة، مات عن قريب من ستين سنة"
أقول : أعجبني أنه وضع دار حديث إلى جانب البيمارستان ( المستشفى العظيم المذكور في أول المقال ) فجمع بين طب القلوب وطب الأبدان وما صحت الأبدان إلا لتعبد الله على بصيرة فمن حرص على سلامة الأبدان دون سلامة الأديان فقد استغرق في الوسيلة ونسي الغاية هذا التفكير السليم بخلاف تفكير كثير من المنتسبين للملة اليوم ممن قلدوا الماديين في تعظيم الوسائل وغفلوا عن غاية الخلق
والذي أراه أن أعظم ما نقدمه للناس توحيد الله والعبادة الصحيحة والشريعة السمحة وأما ما يخدمها من التقنية أو الصحة البدنية فذلك مكمل غير أننا نذكر مثل هذا لبيان مغالطة المفاضلة بين ما لا يتفاضل التي يفعلها العالمانيون فتجدهم يظهرون أن العناية بالتجريبيات الصحيحة لا تكون إلا بإهمال الشرعيات ثم هُم لا يفلحون بالاثنين ! وإنما يفلحون بالانحلال الأخلاقي وقديما هناك من قدم الاثنين وانتفع به الناس في كل مكان.