كنت قد شرحت مرارا أن أساس المشكلة مع الجهمية القائلين بخلق القرآن
كنت قد شرحت مرارا أن أساس المشكلة مع الجهمية القائلين بخلق القرآن
أنهم ينكرون قيام أفعال اختيارية بالله عز وجل يعني الله عز وجل لا يفعل فعلا قائما بذاته متى شاء بما شاء
وإنما يقولون أنه ليس له إلا الأفعال المتعدية أو المفعولات فكل شيء له بداية فهو مخلوق
وبينت أن النصوص دلت بشكل قطعي على أن لله أفعالا لازمة غير الأفعال المتعدية ( ألا له الخلق والأمر ) ( الخلق ) الفعل المتعدي و( الأمر ) الفعل اللازم
( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ( كن ) فعل لازم ( فيكون ) فعل متعدي أو مفعول
وأن العرب لا تعرف أصلا فعلا متعديا بدون فعل لازم يقول بالفاعل
وأن هذا الفعل اللازم إذا نسب لله فهو غير مخلوق ضرورة لأنه صفة تقوم فيه وإذا كان شيئا يقوم فيه مخلوقا فهذا يجعله خالقا ومخلوقا في آن واحد وهذا عين كفر النصارى
والكلابية والأشعرية يوافقون على هذا الأصل أنه لا يوجد إلا فعل متعدي أو مفعول لهذا كلام الله عندهم شيء لا بداية له وليس فعلا من أفعال الله لهذا إذا قالوا الشيء الفلاني حادث أو محدث فهم يريدون أنه مخلوق ضرورة
وقد شرح أصل ضلال الجهمية في هذه المسألة الإمام البخاري في كتابه خلق أفعال العباد حيث قال : وقال بعضهم: إن أكثر مغاليط الناس من هذه الأوجه حين لم يعرفوا المجاز من التحقيق، ولا الفعل من المفعول.
ركز على قوله : ولا الفعل من المفعول .
يعني خلطوا بين الفعل اللازم والفعل المتعدي فجعلوا الكل مخلوقا لأنهم أنكروا الفعل اللازم وأثبتوا المتعدي المخلوق فقط
وقال البخاري أيضا : وأما الفعل من المفعول، فالفعل إنما هو إحداث الشيء، والمفعول هو الحدث لقوله: {خلق السموات والأرض} فالسموات والأرض مفعوله، وكل شيء سوى الله بقضائه فهو مفعول، فتخليق السموات فعله لأنه لا يمكن أن تقوم سماء بنفسها من غير فعل الفاعل وإنما تنسب السماء إليه لحال فعله، ففعله من ربوبيته، حيث يقول: {كن فيكون} [البقرة: 117] ، ولكن من صفته وهو الموصوف به كذلك قال: رب السموات ورب الأشياء " وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب كل شيء ومليكه»
وهذا كلام واضح من الإمام البخاري أنه يعتبر كلام الله غير المخلوق فعلا لازما وطول الكتاب يصرح أنه غير مخلوق وما يقع عليه الفعل من المخلوقات المباينة للذات هو المفعول
وعليه إذا وجدت إنسانا على مذهب البخاري وكل السلف مثل ابن تيمية يقول كلام الله قديم النوع حادث الآحاد بمعنى أن الله يتكلم بما شاء متى شاء وأن كلامه من فعله فوصفه القرآن بالحدث بمعنى أنه فعل لازم متعلق بالمشيئة لا ضير فيه لأنه يصرح أنه غير مخلوق وأنه من أفعال الله اللازمة
ولكن إذا جاء جهمي أو شخص على أصولهم وقال القرآن محدث فهذا يريد أنه مخلوق فهذا يلحقه الذم لأنه لا يرى حادثا له بداية إلا المفعولات المخلوقة ولا يعترف بفعل اختياري لله له بداية كما السلف في القرآن ( منه بدأ )
قال حرب الكرماني: سمعت إسحاق يقول: من قال: إن القرآن محدث على معنى مخلوق؛ فهو كافر باللَّه الغني العظيم.
ركز على قوله ( على معنى أنه مخلوق ) وهذا معناه أن هناك معنى آخر يتكلم به من يصرح أن الله يتكلم بما شاء متى شاء
وداود الأصبهاني حين قال محدث صرح بروايات ثابتة عنه أن القرآن الذي بين أيدينا مخلوق وأن غير المخلوق كلام نفسي ( يعني لا بداية له ) عين مذهب الكلابية
قال الخطيب في تاريخه وأخبرنا عبيد الله قال أخبرنا أحمد بن كامل قال حدثني أبو عبد الله الوراق جواز قال: كنت أورق على داود الأصبهاني فكنت عنده يوماً في دهليز مع جماعة من الغرباء فسئل عن القرآن؟ فقال: القرآن الذي قال الله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (1) وقال: {في كِتَابٍ مَكْنُونٍ} غير مخلوق. وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق. قال القاضي أحمد بن كامل: وهذا مذهب الناشئ وهو كفر بالله العظيم. صح الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو" فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كتب في الصحف والمصاحف قرآناً. فالقرآن على أي وجه تلي وقرئ فهو واحد وهو غير مخلوق
فما بالك ومذهب ابن تيمية شهد المرداوي وغيره أنه عين مذهب السلف بأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ولَم يزل كذلك سبحانه وللشيخ كلام محرر غاية على مذهب دَاوُدَ في الفتاوى (٦/١٦١)
هذا إيضاح للرد على فسل مسكين يدعي الحنبلية حاول الذب عن الأشعرية بالخلط بين مقالتهم التي وافقوا فيها أصل الجهمية بقياس قولهم على قول البخاري ( البريء من قول اللفظية ) وقول ابن تيمية وكلاهما مخالف للقوم في أصل قولهم متبع للنصوص والآثار فشتان