كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين كرسي السبئية وأضرحة الأولياء (ما أشبه الليلة بالبارحة)...

المصدر
بين كرسي السبئية وأضرحة الأولياء (ما أشبه الليلة بالبارحة)... قال الطبري في تاريخه [٦/٨٢]: "وكان بدء سببه ما حدثني به عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: حدثني معبد بن خالد، قال: حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة، قال: أعدمت مره من الورق، فانى لكذلك إذا خرجت يوما فإذا زيات جار لي، له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر على بالي ان لو قلب للمختار في هذا! فرجعت فأرسلت إلى الزيات: أرسل إلي بالكرسي، فأرسل إلي به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتمك شيئا لم أستحل ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال: وما هو؟ قلت: كرسي كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم، قال: سبحان الله! فأخرت هذا إلى اليوم! ابعث إليه، ابعث إليه، قال: وقد غسل وخرج عود نضار، وقد تشرب الزيت، فخرج يبص، فجيء به وقد غشي، فأمر لي باثني عشر ألفا، ثم دعا: الصلاة جامعة. فحدثني معبد بن خالد الجدلي قال: انطلق بي وبإسماعيل بن طلحه ابن عبيد الله وشبث بن ربعي والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وإن هذا فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه، فكشفوا عنه أثوابه، وقامت السبئيه فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثا، فقام شبث بن ربعي وقال: يا معشر مضر، لا تكفرن، فنحوه فذبوه وصدوه واخرجوه، قال إسحاق: فو الله إني لأرجو أنها لشبث، ثم لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزل باهل الشام باجميرا، فخرج بالكرسي على بغل وقد غشي، يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتل أهل الشام مقتلة لم يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنا لله! وندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك، فغيب، فلم أره بعد. حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي قال: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعشى همدان كما حدثني غير عبد الله: شهدت عليكم انكم سبئيه ... وإني بكم يا شرطة الشرك عارف وأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف". أقول: في هذا الخبر أن السبئية كان عندهم كرسي يزعمون أنه من آثار أهل البيت، يتمسحون به ويستنصرون به على العدو. فكفَّرهم الناس آنذاك وحكموا عليهم بالشرك، وهذا في ذلك الزمان المتقدم قبل ظهور ابن تيمية بقرون! والقصة في سندها إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك، ولكن تبقى القصة حجة من وجوه: الأول: إلزام من يحتج بأمثال الواقدي؛ وسيف التميمي؛ ولوط بن يحيى وأضرابهم ممن لا يختلفون عن إسحاق. الثاني: أن أبيات أعشى همدان مما يدل على أن للقصة أصلاً، وهي أبيات ثابتة. الثالث: اعتماد ابن كثير للخبر، حيث قال في «البداية والنهاية»: "هذا وأمثاله مما يدل على قلة عقل المختار وأتباعه وضعفه وقلة علمه وكثرة جهله ورداءة فهمه وترويجه الباطل على أتباعه وتشبيهه الباطل بالحق ليضل به الطغام ويجمع عليه جهال العوام". والخبر يعضده الواقع، فالسبئية في كل زمان يفكرون بالطريقة نفسها، بل حتى الاستدلال بتابوت بني إسرائيل تكرر منهم، وردَّ عليهم علماء التوحيد. قال الشيخ حمود التويجري في «الأجوبة على الأسئلة الكويتية»: "السادس قولهم: لقد أثبت القرآن صراحة لا تلميحاً ولا مجازاً أن بقايا الصالحين وآثارهم يمكن التوسل بها في استجلاب الخير ودفع الضر مهما تقادم بها العهد، يقول الله تبارك وتعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. والجواب أن يقال: إن الشريعة المحمدية الكاملة قد نسخت الشرائع التي كانت قبلها فليس لأحد أن يعمل بشيء يخالفها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الغلو، وأعظم الغلو: ما كان وسيلة إلى الشرك بالله تعالى، ومنه التبرك ببقايا الصالحين وآثارهم والتوسل بها في استجلاب الخير واستدفاع الضرر" وذكر حديث تحريم البناء على القبور. إلى أن قال: "فليس في الآية من سورة البقرة قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} الآية ما يدل على جواز التوسل ببقايا الصالحين وآثارهم في استجلاب الخير واستدفاع الضرر، ومن زعم أن الآية تدل على جواز التوسل ببقاياهم وآثارهم فقد جمع بين ثلاثة أمور محرمة، أحدها: الغلو في الصالحين، والغلو فيهم من أعظم الوسائل إلى الشرك بهم، وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو وتقدم ذكر الحديث في ذلك. الثاني: القول في القرآن بمجرد الرأي". ثم أتم كلامه وذكر أدلة حرمة تتبُّع آثار الصالحين. واليوم الأضرحة المنتشرة في بلاد المسلمين شأنها كشأن كرسي السبئية لو تأملنا.